القاسية المنتقمة. ولأن العدوانية البدائية للطفل لا تعرف الحدود نظرا لانعدام ضوابط العقل والمنطق والواقع، فإن صورة الأم في قسوتها في هذه الحالة لا تعرف الحدود. إنها تثير قلق الفناء ليس إلا، وهكذا يتفجر الذعر الوجودي.
الحياة القاسية، كالطبيعة الغاضبة، ليست مصدر معاناة لأسباب اقتصادية معبشية محضة، بل كذلك لما تفجره من عدوانية طفلية كامنة في أعماق اللاوعي، ترتد على الذات على شكل تهديد خارجي. الإنسان المقهور الذي يرضخ لاعتباط الطبيعة معرض بالتالي التحرك هذه الانفعالات الأثرية في نفسه، وهو تحرك بفقده كل شعور بالأمن ويضعه أمام خطر الفناء، وينعكس هذا القلق خصوصا في موضوع الهجر والفراق الشائع في الأغاني الشعبية، في قسوة الحبيب وتجاهله للإنسان المحب الذي يجتر آلامه، ويعاني من خوائه الداخلي. إن هذه السوداوية الشائعة في أغاني الجماهير المقهورة، لا تعبر عن الحرمان الجنسي الفعلي فقط، بل هي وسيلة للتعبير عن الحرمان الوجودي. قسوة الحبيب وتجاهله ليسا سوي الرمز لقسوة الحياة ووطأتها، وهذه بدورها تعود فتتصل بموضوع الحب من خلال إثارة قلق الهجر الطفلي. وحدة المحب وعذابه بعكسان عجز الإنسان المقهور إزاء الطبيعة والحياة واعتباطها، ويثيران أشد حالات انعدام الشعور بالأمن، الخوف من الهلاك الذي تتضمنه صورة الأم القاسية. وهكذا يتصل العاطفي بالاقتصادي، ويتصل الاقتصادي بالطفلي اللاواعي، في وحدة جدلية.
ويتأزم الأمر نظرة لتحالف قسوة الطبيعة مع استبداد المتسلط واقعية. هذا التحالف بشير تحالفا مقابلا له في اللاوعي: تحالف الأم النابذة مع الأب القاسي ضد الطفل العاجز. فقلق الخصاء الذي تحدثنا عنه في الفقرة السابقة، يستمد جذوره وأصوله من قلق الهجر، كلاهما يعزز الآخر ويغذيه، هذا التعزيز يزيد من وطأة عجز الإنسان المقهور عن المجابهة (مجابهة المتسلط، والسيطرة على الطبيعة) ويفجر أقصى حالات العدوانية الأثرية التي لا يمكن احتمالها، لأنها تحمل خطر تفجير الذات. ولكن إسقاطها على الخارج كوسيلة للخلاص من وطأتها، لا يحل المشكلة لأنه يؤدي إلى اصطباغه بصبغة اضطهادية مهددة، يعيش الإنسان المقهور عندها في عالم عدائي بحمل له خطر الهلاك في كل لحظة.
وهو في البداية لا يجد من وسيلة سوى الرضوخ إزاء هذا الوجود، وهو في رضوخه يجناف العدوانية الخارجية كقدر محتوم مع نكوص إلى المرحلة النمية"1، مرحلة التعامل مع الوجود من خلال الفم. ولذلك يصطبغ الوجود بصبغة نمية سيئة، نجد تعبيرا عنها في النعوت ذات الطابع الفمي (مر الحياة وحلوها، مر العذاب، غصة الحياة، أمر لا يبتلع، أكل"
(1) المرحلة الفمية Stade oral .