قد يأتيه في أي لحظة من الخارج من المتسلط، وكل أدوات السلطة من ناحية، ويتضمن مشاعر العجز وعدم الاكتمال، تميز وجوده الذي يعاش تحت شعار المهانة من ناحية أخرى. فهو لا يمكن أن يقارن ذاته بالمتسلط، لا يمكن أن يساويه أو يوازيه أو يجابهه، كما أنه يشعر بالدونية وانعدام الكفاءة الاجتماعية، لا يمكن أن يرتقي، لن يستطيع أن يتعلم، إنه ليس في مستوى التكنولوجيا، إلخ ...
قلق الخصاء يزعزع کيان الإنسان المقهور ويخل بتوازنه، فهو يولد الآلام المعنوية التي لا تحتمل والتي تمس صورة الذات ونبمنها، وتصيب الاعتبار الذاتي في الصميم. ولذلك فإنه يميل إلى فقدان الالتزام تجاه هذه الذات التي لا تحظى بالاعتبار من خلال الغرق في الرضوخ والتبعية والاستسلام، التي تأخذ جميعا معني عقاب هذه الذات المبخسة وتحطيمها. ولكن الحل السلبي هذا لا يحقق التوازن الداخلي، ولا يمكن أن يستمر. فلا بد إذا من حلول إيجابية تحمل قيمة تعويضية.
الحلول التعويضية كثيرة ومتنوعة وتصب جميعا في قناة الشعور بشيء من الاعتبار الذاتي. وسيكون لنا وقفة طويلة عند أهمها، في القسم الثاني من هذا البحث.
الاحتماء بالزعيم المنقذ، التعلق بالأبطال، كاللجوء إلى الأولياء، تحمل جميعة الدلالة ذاتها من الناحية اللاواعية، إنها عملية إيجاد نوع من التوازن مع صورة الأب القاسي المسيطر المهدد، من خلال خلق صورة الأب العطوف الحامي والمنقذ الذي يتعلق به. صورة الأب الإيجابية هذه تحد من قلق الخصاء، وحالة التهديد الدائم التي تصاحبه. إنها تجعل الوجود متوازنة بعض الشيء في المرحلة التي تسبق الثورة، والتي تعني النهوض بأعباء الرجولة وتحمل مسؤولياتها، وتعني بالتالي توكيد الذات المستقلة والمماثلة للآخر، أي ديمقراطية العلاقة من خلال المساواة، ومن هنا نفهم مدى تعلق الإنسان المقهور بأبطال التاريخ الشعبي، ومدى اهتمامه بسيرهم، التي تدور دائمة حول إنقاذ الضعيف وحمايته وإنصاف المظلوم، ومن هنا نفهم مدى الاتكالية التي تظهرها الجماهير المقهورة في تعلقها الانقيادي بالزعيم المنقذ.
أما الإفراط في الذكورة فإنها تأخذ غالب الأحيان أشكالا استعراضية متعددة. وبمقدار توكيد هذه الذكورة في مظاهرها الخارجية، من خلال كل أنواع المبالغة بالقوة الجنسية القضيبية والأهمية القصوى التي تعطى لهذه القوة، بمقدار ما يكمن في اللاوعي مشاعر نقص وعجز. يعبر مصطفى صفوان عن ذلك تعبيرة رائعة بقوله «القوى التي يؤكد بها الشخص ذكورته، أو أنوثته، متناسبة مع توكيد ضدها في اللاوعي (انعدام الذكورة، أو انعدام الأنوثة) 1» . وأبرز أشكال توكيد الذكورة هو القيمة المفرطة التي تعطى للرجل، والرجولة