فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 248

يذهب انديم البيطار في تفسيره للتخلف مذهبة قريبة من وجهة نظر اجيرار ماندل» 1، الذي يقول إن التكنولوجيا تلعب دورا هاما في تشكيل اللاوعي الجماعي، من

خلال المثل الأعلى الذي تفرضه على المؤسسات الاجتماعية، وما يحدثه من تغيير في النظرة إلى العالم وأسلوب الممارسة، فالآلة والتقنيات المتقدمة تفرض التجرد العاطفي وتنمي العقلانية والمنطق والترتيب والدقة من أجل حسن سيرها. الدماغ الالكتروني مثلا، بخلق شخصية ذات نمط شرجي 2: الدقة على مستوى أصغر التفاصيل العقلانية والمنطق المفرط، التوقع والتخطيط والضبط وانعدام العاطفة. كما أن المثل الأعلى الإنتاجي، يخلق نماذج بشرية مركزة حول الفعالية والإنتاج كقيمة أساسية موجهة للذهن والسلوك. بينما المثل الأعلى الاستهلاكي يخلق نموذجة بشرية مركزة حول المظاهر والاستعراض وينمي عقدة المشهدية.3

ذلك كله صحيح، ولكنه لا يغطي كل الظاهرة ولا يقدم تفسيرة كافية لمسألة التخلف في الذهنية. يجب بادئ ذي بدء التمييز بين المجتمع الزراعي المتخلف، والمجتمع الزراعي المصنع. فالأمر لا يكمن في الزراعة بحد ذاتها بقدر ما هو نتاج للبنية الاجتماعية. ومجرد نظرة متفحصة إلى النقاط التي أوردها البيطار، توضح لنا أنه يتحدث عن مجتمع زراعي بنصف أساسا بالعجز أمام قوى الطبيعة من ناحية، وسيادة نموذج التسلط والقهر والتقليد من ناحية ثانية، وهي نفسها في نظرنا محور مسألة التخلف. ويشير البيطار في معرض حديثه عن انعدام التكنولوجيا في المجتمع الزراعي وشيوع علاقات السلطة ذات الطابع الانفعالي، إلى ظاهرة حمل العصي والسياط باعتبارها أدوات قيادة الحيوان. ولكن ألا تشير هذه الظاهرة إلى نظام التسلط والقهر أكثر مما هي مجرد أدوات؟ ليست الدابة وحدها تقاد بالسوط بل الفلاح المقهور أيضا ... كما أنه يسرد من ضمن أسباب التخلف ربط التغيرات الاجتماعية بتغيرات النفوذ والسلطة، واضعة بذلك الاصبع على لب مسألة التخلف دون أن يعلن ذلك صراحة

إن لب تخلف العقلية يكمن في نظرنا في أسباب اجتماعية سياسية، هي المسؤولة عن نمط الإنتاج وأدواته وتقنياته وانعكاساتها على الذهنية. هذه الأسباب تذهب في رأينا، في الوطن العربي على الأقل، في اتجاهين أساسيين مترابطين هما: سياسة التعليم في المجتمع، وعلاقات التسلط والقهر السائدة فيه.

(2) نمط شرجي Type anal

(3) عقدة المشهدية Complex spectaculaire

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت