فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 248

إن الأمر كله يجد مفتاح تعليله في دراسة العلاقة بين البنية الاجتماعية والذهنية التي تنتج عنها، لا أكثر ولا أقل. كل بنية اجتماعية بما تتضمنه من نظام علاقات ومرتبية وإنتاج تفرز ذهنية تنصف بنفس خصائص تلك البنية، تخدم أغراضها وتعززها من خلال ترسيخ نظرة معينة إلى الكون، وأسلوب محدد لمواجهة تحدياته وقضاياه.

هناك من درس ضمن هذا المنظور مسألة التخلف في العقلية، خصوصا على مستوى الممارسة السياسية، من خلال الطبيعة الزراعية للمجتمع العربي. من رأي د. نديم البيطار 1) أن أسباب التخلف ترجع إلى الخصائص الزراعية التي يتصف بها الإنسان العربي وأهمها في نظره ما يلي:

-الشعور بالعجز عن السيطرة على الطبيعة والتاريخ. بينما يتمكن الإنسان المتقدم من ذلك بفضل قدرته على الكشف عن الاتجاهات، والقوى والقوانين الفاعلة فيهما، من خلال استخدام التقنيات والعلوم المضبوطة.

-رد التغيرات والظواهر إلى قرى فردية، ربط ما يحدث بتغيرات النفوذ والسلطة، أي رد الأمور إلى قوى ذاتية لا إلى قوانين طبيعية وتاريخية، مما پرسخ قوالب ذاتية في التفكير والنظرة إلى الحياة.

-انعدام التكنولوجيا والاعتماد على وسائل بدائية من حيوانات ويد عاملة، مما يجعل العلاقة، علاقة سلطة ذات طابع انفعالي، أكثر مما هي علاقة علمية موضوعية (كما تفرضه الآلات، والتقنيات والعمل معها) ، عقلنة الإنتاج هي عقلنة الإنسان نفسه، عقلنة العلاقات التي تحيط به.

-الاعتماد في المجتمع الزراعي على الظواهر المحسوسة الملموسة في الطبيعة والعلاقات لا على القوانين العلمية. بحكم الإنسان الزراعي على الأمور انطلاقا من ظواهر الطبيعة وتغيراتها المناخية، أو من سلوك الحيوان.

تحكم التقليد في السلوك، من خلال تجميده من ناحية، وشده إلى الماضي من ناحية ثانية، مما يفتح السبيل أمام الغيبيات والتفكير الخرافي. هذا التقليد بغرس جذوره عميقة وعنيدة في أعماقنا مؤثرة على الممارسة والنظرة إلى الأمور ارغم الدروس والشهادات التي تظل سطحية طالما أنها ليست وليدة ثورة داخلية ولم تفرز من داخل، طالما هي ظاهرة نقلدها وليست تحولات تفرزها نتيجة تحولات داخلية» (المرجع نفسه، صفحة 34) .

د. نديم البيطار، الأسباب البعيدة لظاهرة التخلف السياسي، مجلة دراسات عربية، السنة العاشرة، العدد 10، بيروت 1974.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت