فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 148

وبذلك الذي درج عليه المسلمون كفل البقاء والاستمرار لهذه الأخوة، التي شد الله بها أزر دينه ورسوله حتى آتت ثمارها في كل أطوار الدعوة طوال حياته صلى الله عليه وسلم، وامتد أثرها حتى وفاته صلى الله عليه وسلم، وبقيت هذه المؤاخاة عند مبايعة الصديق - رضي الله عنه - ولم يحدث الأنصار صدعًا في شمل الأمة، مستجيبين في ذلك لشهوات السلطة وغريزة السيطرة، ذلك فإن سياسة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، نوع من السبق السياسي الذي اتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأصيل المودة وتمكينها في مشاعر المهاجرين والأنصار، الذين سهروا جميعا على رعاية هذه المودة وذلك الإخاء، بل كانوا يتسابقون في تنفيذ بنوده. [1]

إن المجتمع المدني الذي أقامه الإسلام كان مجتمعًا عقديُّا يرتبط بالإسلام ولا يعرف الموالاة إلا لله ولرسوله وللمؤمنين، وهو أعلى أنواع الارتباط وأرقاه، إذ يتصل بوحدة العقيدة والفكر والروح [2] .

إن الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين من أهم الآثار والنتائج المترتبة على الهجرة، وكان القرآن الكريم يربي المسلمين على هذه المعاني الرفيعة، فقد بين الحق سبحانه وتعالى أن ابن نوح وإن كان من أهله باعتبار القرابة لكنه لم يعد من أهله لما فارق الحق وكفر بالله ولم يتبع نبي الله. قال تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [3]

وقد حصر الإسلام الأخوة والموالاة بين المؤمنين فقط قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [4]

وقطع الولاية بين المؤمنين والكافرين من المشركين واليهود والنصارى، حتى لو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو أبناءهم، ووصف من يفعل ذلك من المؤمنين بالظلم، مما يدل على أن موالاة المؤمنين للكافرين، من أعظم الذنوب قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [5]

فإذا كان الله سبحانه يحذر المؤمنين في الآيات السابقة من موالاة الكفار عامة، فهناك آيات كثيرة وردت في تحذير المؤمنين ونهيهم عن طاعة أهل الكتاب خاصة، أو اتخاذهم أولياء، أو الركون إليهم.

(1) انظر: فصول في السيرة النبوية، د. عبد المنعم السيد، ص 200

(2) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/ 252)

(3) الآيتان من سورة هود، رقم 45،46

(4) الآية من سورة الحجرات، رقم 10

(5) الآية من سورة التوبة، رقم 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت