فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 148

وسلم وسبح ثلاثًا، فسبح المسلمون حتى ارتج البقيع ثم كبَّر ثلاثًا، وكبَّر المسلمون، فسئل عن ذلك فقال: «تضايق على صاحبكم القبر، وضم ضمة لو نجا منها أحد لنجا هو، ثم فرج الله عنه» . [1]

إن هذا الصحابي الجليل قد استُشهد وهو في ريعان شبابه، فقد كان في السابعة والثلاثين من عمره، يوم وافته منيته، وهذا يعني أنه قاد قومه إلى الإسلام وهو في الثلاثين من عمره، فقد كانت هذه السيادة في العشرينيات من عمره، وقبل أن يكون على مشارف الثلاثين، وإنما تنفجر الطاقات الكامنة والمواهب بعد سن الأربعين التي هي غاية الرشد قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [2] فأي طراز هذا الذي حفل تاريخه بهذه المآثر، واستبشر أهل السماوات بقدومه، واهتز عرش الرحمن فرحًا لوفاته، من دون خلق الله أجمعين. [3] رحمة الله عليه ورضي عنه، وأعلى ذكره في المصلحين.

كان أبو رافع سلام بن أبي الحقيق من يهود بني النضير كثير التحريض على الدولة الإسلامية، حتى إنه جعل لغطفان ومن حولها من قبائل مشركي العرب الجعل العظيم إن هي قامت لحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشاع أمر أبي رافع وانتشر، وكان ممن ألب الأحزاب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأصبح تحريضه على دولة الإسلام من الأخطار التي يجب أن يوضع لها الحد، ولهذا لما اسْتَأْذَنَتْ الْخَزْرَجُ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي قَتْلِ سَلّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَهُوَ بِخَيْبَرِ أَذِنَ لَهُمْ على الفور، كما أذن للْأَوْس قَبْلَ أُحُدٍ في قتل ... كَعْب بْن الْأَشْرَفِ.

يروي ابْنُ إسْحَاقَ عن عَبْدِ اللّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: وَكَانَ مِمّا صَنَعَ اللّهُ بِهِ لِرَسُولِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ هَذَيْنِ الْحَيّيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَالْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَانَا يَتَصَاوَلَانِ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ، لَا تَصْنَعُ الْأَوْسُ شَيْئًا عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ غَنَاءً إلّا قَالَتْ الْخَزْرَجُ: وَاَللّهِ لَا تَذْهَبُونَ بِهَذِهِ فَضْلًا عَلَيْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفِي الْإِسْلَامِ. قَالَ: فَلَا يَنْتَهُونَ حَتّى يُوقِعُوا مِثْلَهَا، وَإِذَا فَعَلَتْ الْخَزْرَجُ شَيْئًا قَالَتْ الْأَوْسُ: مِثْلَ ذَلِكَ. وَلَمّا أَصَابَتْ الْأَوْس كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ فِي عَدَاوَتِهِ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، قَالَتْ الْخَزْرَجُ: وَاَللّهِ لَا تَذْهَبُونَ بِهَا فَضْلًا عَلَيْنَا أَبَدًا، قَالَ: فَتَذَاكَرُوا مَنْ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْعَدَاوَةِ كَابْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَذَكَرُوا ابْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَهُوَ بِخَيْبَرِ فَاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي قَتْلِهِ فَأَذِنَ لَهُمْ. [4]

(1) الحديث أخرجه: أحمد بن حنبل ج 3/ص 360 (14916) ، والطبراني في المعجم الكبير ج 6/ص 13 (5346) عن جابر رضي الله عنه.

(2) الآية من سورة الأحقاف: رقم 15

(3) انظر: القيادة الربانية (4/ 78)

(4) سيرة ابن هشام 2/ 273 - 274

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت