ظهرت لسعد بن معاذ - رضي الله عنه- في هذه الغزوة فضائل كثيرة تدل على فضله ومنزلته عند الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، منها:
-استجابة الله تعالى لدعائه عندما قال: (اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليَّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك صلى الله عليه وسلم وأخرجوه، اللهم فإن بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك) ، وقد استجيب دعاؤه فتحجر جرحه، وتماثل للشفاء [1] حتى كانت غزوة بني قريظة، وكان سعد قد دعا أيضًا: (ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة [2] ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم إليه، فحكم فيهم بالحق ولم تأخذه في الله لومة لائم، وهذا دليل على تجرد قلبه لله تعالى.
-ومن إكرام رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله للأنصار عندما جاء سعد للحكم في بني قريظة: «قوموا إلى سيدكم» [3] . وهذا تكريم لسعد، وتقدير لشجاعته حيث سماه سيدًا، وأمر بالقيام له.
-وعندما نفذ حكم الله في يهود بني قريظة رفع سعد يده يدعو الله ثانية يقول: اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم (يعني قريشًا والمشركين) ، فإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها واجعل موتي فيها [4] ، وقد استجيب دعاؤه فانفجر جرحه تلك الليلة ومات ... رحمه الله.
ومن خلال دعائه الأول والثاني، نلحظ هذا الدعاء العجيب، دعاء العظماء الذين يعرفون أن رسالتهم في الحياة ليست الاستشهاد فقط، بل متابعة الجهاد إلى اللحظة الأخيرة، فهو المسؤول عن نصرة الإسلام في قومه وأمته. [5]
-لقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على هذا العبد الصالح بعد موته كثيرًا أمام الصحابة ليتعرف الناس على أعماله الصالحة فيتأسوا به، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ» [6] وفي حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة حرير فجعل أصحابه يلمسونه ويعجبون من لينها، فقال: «أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين» . [7]
ومع كل هذه المآثر والمحاسن والأعمال الجليلة التي قدمها لخدمة دين الله، فقد تعرض لضمة القبر: لما انتهوا إلى قبر سعد - رضي الله عنه - نزل فيه أربعة: الحارث بن أوس، وأسيد بن الحضير، وأبو نائلة سلكان، وسلمة بن سلامة بن وقش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف، فلما وضع في قبره، تغير وجه رسول الله صلى الله عليه
(1) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص 228
(2) سبق تخريجه.
(3) الحديث أخرجه: البخاري كتاب الاستئذان باب قول النبي صلى الله عليه وسلم قوموا إلى سيدكم ج 5/ص 2310 (5907)
(4) انظر: السيرة النبوية لابن هشام 2/ 227
(5) التربية القيادية 3/ 70
(6) الحديث أخرجه: مسلم، فضائل الصحابة باب من فضائل سعد بن معاذ رضي الله عنه ج 4/ص 1915 (2466)
(7) الحديث أخرجه: مسلم، فضائل الصحابة باب من فضائل سعد بن معاذ رضي الله عنه ج 4/ص 1916 (2468)