وَاسْتَفْتَحَ أَبُو جَهْلٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَقَالَ: اللّهُمّ أَقْطَعْنَا لِلرّحِمِ وَآتَانَا بِمَا لَا نَعْرِفُهُ فَأَحِنْهُ الْغَدَاةَ، اللّهُمّ أَيّنَا كَانَ أَحَبّ إلَيْكَ وَأَرْضَى عِنْدَكَ فَانْصُرْهُ الْيَوْمَ. [1] فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [2]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ حَفْنَةً مِنْ الْحَصْبَاءِ، فَاسْتَقْبَلَ قُرَيْشًا بِهَا، ثُمّ قَالَ: شَاهَتْ الْوُجُوهُ، ثُمّ نَفَحَهُمْ بِهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: شِدّوا، فَكَانَتْ الْهَزِيمَةُ، فَقَتَلَ اللّهُ تَعَالَى مَنْ قُتِلَ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، وَأَسَرَ مَنْ أَسَرَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ. فَلَمّا وَضَعَ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ يَأْسِرُونَ، وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْعَرِيشِ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَائِمٌ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ الّذِي فِيهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، مُتَوَشّحَ السّيْفِ فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، يَحْرُسُونَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، يَخَافُونَ عَلَيْهِ كَرّةَ الْعَدُوّ، وَرَأَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي وَجْهِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الْكَرَاهِيَةَ لِمَا يَصْنَعُ النّاسَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: وَاَللّهِ لَكَأَنّك يَا سَعْدُ تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ الْقَوْمَ؟ قَالَ: أَجَلْ وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ، كَانَتْ أَوّلَ وَقْعَةٍ أَوْقَعَهَا اللّهُ بِأَهْلِ الشّرْكِ، فَكَانَ الْإِثْخَانُ فِي الْقَتْلِ بِأَهْلِ الشّرْكِ أَحَبّ إلَيّ مِنْ اسْتِبْقَاءِ الرّجَالِ. [3]
ونلحظ هنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ بالأسباب المادية والمعنوية وتوكل على الله، فكان النصر والتأييد من الله تعالى، فقد اجتمع في بدر الأخذ بالأسباب بالقدر الممكن مع التوفيق الرباني في تهيئة جميع أسباب النصر متعاونة متكافئة مع التأييدات الربانية الخارقة والغيبية، ففي عالم الأسباب تشكل دراسة الأرض والطقس ووجود القيادة والثقة بها والروح المعنوية لبنات أساسية في صحة القرار العسكري، ولقد كانت الأرض لصالح المسلمين، وكان الطقس مناسبًا للمعركة، والقيادة الرفيعة موجودة والثقة بها كبيرة، والروح المعنوية مرتفعة، وبعض هذه المعاني كان من الله بشكل مباشر وتوفيقه، وبعضها كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذًا بالأسباب المطلوبة، فتضافر الأخذ بالأسباب مع توفيق الله وزيد على ذلك التأييدات الغيبية والخارقة فكان ما كان، وذلك نموذج على ما يعطاه المسلمون بفضل الله إذا ما صلحت النيات عند الجند والقادة، ووجدت الاستقامة على أمر الله، وأخذ المسلمون بالأسباب [4] .
(1) أخرجه: أحمد بن حنبل في مسنده ج 5/ص 431 (23710)
(2) الآية من سورة الْأَنْفَال، رقم 19
(3) سيرة ابن هشام 1/ 628
(4) انظر: الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية - (1/ 474)