قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَنْ شَهِدَهَا مِنْهُمْ وَمَنْ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ ثَلَاثَةُ مِئَةِ رَجُلٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مِنْ الْمُهَاجِرِينَ ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا، وَمِنْ الْأَوْسِ وَاحِدٌ وَسِتّونَ رَجُلًا، وَمِنْ الْخَزْرَجِ مِئَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا. [1]
قال ابن القيم: وَإِنّمَا قَلّ عَدَدُ الْأَوْسِ عَنْ الْخَزْرَجِ، وَإِنْ كَانُوا أَشَدّ مِنْهُمْ وَأَقْوَى شَوْكَةً وَأَصْبَرَ عِنْدَ اللّقَاءِ؛ لِأَنّ مَنَازِلَهُمْ كَانَتْ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَجَاءَ النّفِيرُ بغتة، وَقَالَ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم: لَا يَتْبَعُنَا إلّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا، فَاسْتَأْذَنَهُ رِجَالٌ ظُهُورُهُمْ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ أَنْ يَسْتَأْنِيَ بِهِمْ حَتّى يَذْهَبُوا إلَى ظُهُورِهِمْ فَأَبَى، وَلَمْ يَكُنْ عَزْمُهُمْ عَلَى اللّقَاءِ، وَلَا أَعَدّوا لَهُ عُدّتَهُ، وَلَا تَأَهّبُوا لَهُ أُهْبَتَهُ، وَلَكِنْ جَمَعَ اللّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ. [2]
-عن أنس رضي الله عنه قال: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مني فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع. فقال: ويحك، أو هبلت أو جنة واحدة، هي إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس. [3]
-وعن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا رَوْضَةَ خَاخٍ [4] ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً وَمَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا. قال: فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا لها: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. قال: فأخرجته من عِقَاصِهَا [5] فأتينا به ... رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حاطب، ما هذا؟ قال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امرأ ملصقا في قريش، يقول: كنت حليفا ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد صدقكم. فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل الله السورة (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) إلى قوله (فقد ضل سواء السبيل) . [6]
(1) سيرة ابن هشام 1/ 706
(2) زاد المعاد 3/ 162
(3) الحديث أخرجه: البخاري كتاب المغازي باب فضل من شهد بدرا ج 4/ص 1462 (3761)
(4) خاخ: بعد الألف خاء معجمة، موضع بين الحرمين، ويقال له روضة خاخ بقرب حمراء الأسد من المدينة. معجم البلدان ج 2/ص 335
(5) العَقِيصَةُ: الضفيرة. مختار الصحاح ج 1 ص 187
(6) الحديث أخرجه: البخاري كتاب المغازي باب غزوة الفتح وما بعث به حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بغزو النبي صلى الله عليه وسلم ج 4/ص 1557 (4025)