قوله (اعملوا ما شئتم) فإن ظاهره أنه للإباحة وهو خلاف عقد الشرع؟ وأجيب بأنه إخبار عن الماضي، أي: كل عمل كان لكم فهو مغفور، ويؤيده أنه لو كان لما يستقبلونه من العمل لم يقع بلفظ الماضي، ولقال فسأغفره لكم. وتعقب: بأنه لو كان للماضي لما حسن الاستدلال به في قصة حاطب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم خاطب به عمر منكرا عليه ما قال في أمر حاطب، وهذه القصة كانت بعد بدر بست سنين، فدل على ان المراد ما سيأتي، وأورده في لفظ الماضي مبالغة في تحقيقه. وقيل: إن صيغة الأمر في قوله (اعملوا) للتشريف والتكريم، والمراد عدم المؤاخذة بما يصدر منهم بعد ذلك، وأنهم خصوا بذلك لما حصل لهم من الحال العظيمة التي اقتضت محو ذنوبهم السابقة وتأهلوا لأن يغفر الله لهم الذنوب اللاحقة إن وقعت، أي: كل ما عملتموه بعد هذه الواقعة من أي عمل كان فهو مغفور. وقيل: إن المراد ذنوبهم تقع إذا وقعت مغفورة ، والذي يفهم من سياق القصة الاحتمال الثاني، وهو الذي فهمه أبو عبد الرحمن السلمي التابعي الكبير حيث قال لحيان بن عطية: قد علمت الذي جرأ صاحبك على الدماء وذكر له هذا الحديث [1] ، قال: واتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها، والله أعلم. [2]
محاولة اغتيال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإسلام عمير بن وهب (شيطان قريش) :
قال عروة بن الزبير: جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحِجْر، بعد مصاب أهل بدر بيسير، وكان عمير بن وهب شيطانًا من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويلقون منه عناء وهو بمكة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر، فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: (والله ما في العيش بعدهم خير) . قال له عمير: صدقت، أما والله لولا دَيْنٌ علي ليس عندي قضاؤه، وعيال أخشى عليهم الضيعة [3] بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي فيهم علة، ابني أسير في أيديهم.
قال: فاغتنمها صفوان بن أمية فقال: عليّ دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم [4] ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم، فقال له عمير: فاكتم علي شأني وشأنك. قال: أفعل.
قال: ثم أمر عمير بسيفه، فشحذ وسُمَّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، وما أراهم في عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب وقد أناخ راحلته على باب المسجد متوشحًا سيفه، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، ما جاء إلا لشرٍّ وهو الذي حرش بيننا، وحزرنا للقوم يوم بدر. ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحًا سيفه. قال صلى الله عليه وسلم: «فأدخله عليَّ» قال: فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة [5] سيفه في عنقه فلبَّبَه [6] بها، وقال لمن كان معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله صلى الله
(1) الحديث أخرجه: البخاري كتاب الجهاد والسير باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة والمؤمنات إذا عصين الله وتجريدهن ... ج 3/ص 1120 (2915)
(2) فتح الباري ج 7/ص 305
(3) الضيعة: الضياع والتشتت. لسان العرب ج 8 ص 231
(4) أي: أقوم على أمرهم ومؤونتهم.
(5) حمالة السيف: ما يربط به السيف على الجسم. مشارق الأنوار ج 2/ص 4
(6) لببه: قيده. و المُتَلَبِّبُ: المُتَحَزِّمُ بالسلاح وغيره ... يقال: لَبَبْتُ الرجلَ و لَبَّبْتُه إِذا جعلتَ في عُنقه ثوبًا أَو غيره، وجَرَرْتَه به لسان العرب ج 1 ص 733، ج 1 ص 734