وَكَانَ مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - جِدَارًا لَيْسَ لَهُ سَقْفٌ، ، وَجَعَلَ - صلى الله عليه وسلم - طُولَهُ مِمّا يَلِي الْقِبْلَةَ إلَى مُؤَخّرِهِ مِائَةَ ذِرَاعٍ وَالْجَانِبَيْنِ مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ دُونَهُ، وَجَعَلَ أَسَاسَهُ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، ثُمّ بَنَوْهُ بِاللّبِنِ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَبْنِي مَعَهُمْ وَيَنْقُلُ اللّبِنَ وَالْحِجَارَةَ بِنَفْسِهِ، وَيَقُولُ:
هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالُ خَيْبَرَ ... هَذَا أَبَرّ لرَبنَا وَأَطْهَر
وَجَعَلُوا يَرْتَجِزُونَ أيضأ وَهُمْ يَنْقُلُونَ اللّبِنَ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ فِي رَجْزِهِ:
لَئِنْ قَعَدْنَا وَالرّسُولُ يَعْمَلُ ... لَذَاكَ مِنّا الْعَمَلُ الْمُضَلّلُ
وَجَعَلَ - صلى الله عليه وسلم - قِبْلَتَهُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَجَعَلَ لَهُ ثَلَاثَةَ أَبْوَابٍ، بَابًا فِي مُؤَخّرِهِ وَبَابًا يُقَالُ لَهُ بَابُ الرّحْمَةِ وَالْبَابُ الّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ الْجُذُوعَ وَسَقْفَهُ بِالْجَرِيدِ، وَقِيلَ لَهُ: أَلَا تُسَقّفُهُ؟ فَقَالَ: لَا عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى، وَبَنَى إلَى جَنْبِهِ بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ بِاللّبِنِ وَسَقّفَهَا بِالْجَرِيدِ وَالْجُذُوعِ، فَلَمّا فَرَغَ مِنْ الْبِنَاءِ بَنَى بِعَائِشَةَ فِي الْبَيْتِ الّذِي بَنَاهُ لَهَا شَرْقِيّ الْمَسْجِد، وَهُوَ مَكَانُ حُجْرَتِهِ الْيَوْمَ، وَجَعَلَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَة َبَيْتًا آخَرَ. [1]
إن إقامة المساجد من أهم الركائز في بناء المجتمع الإسلامي، ذلك أن المجتمع المسلم إنما يكتسب صفة الرسوخ والتماسك، بالتزام نظام الإسلام وعقيدته وآدابه، وإنما ينبع ذلك من روح المسجد ووحيه. قال تعالى: (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُّحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [2]
وقال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآَصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [3]
(1) انظر: زاد المعاد 3/ 55
(2) الآية من سورة التوبة، رقم 108
(3) الآيات من سورة النور، أرقام 36 - 38