-وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ، أَرَى أَنَّكِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ وَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَاكْشِفْ عَنْهَا، فَإِذَا هِيَ أَنْتِ. فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ. [1]
قوله: (سرقة) - بفتح السين المهملة، والراء - وهي الشقق البيض من ... الحرير. [2]
وقوله - صلى الله عليه وسلم: (فأقول إن يك من عند الله يمضه) قال القاضي: إن كانت هذه الرؤيا قبل النبوة وقبل تخليص أحلامه صلى الله عليه وسلم من الأضغاث فمعناها إن كانت رؤيا حق، وإن كانت بعد النبوة فلها ثلاثة معان، أحدها: أن المراد إن تكن الرؤيا على وجهها وظاهرها لا تحتاج إلى تعبير وتفسير فسيمضه الله تعالى وينجزه، فالشك عائد إلى أنها رؤيا على ظاهرها أم تحتاج إلى تعبير وصرف على ظاهرها.
الثاني: أن المراد إن كانت هذه الزوجة في الدنيا يمضها الله، فالشك أنها زوجته في الدنيا أم في الجنة.
الثالث: أنه لم يشك، ولكن أخبر على التحقيق وأتى بصورة الشك كما قال: أأنت أم أم سالم، وهو نوع من البديع عند أهل البلاغة، يسمونه تجاهل العارف، وسماه بعضهم مزج الشك باليقين. [3]
-وعن عائشة قالت: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي. قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ. [4]
قال النووي: فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول في شوال، وقد نص أصحابنا على استحبابه، واستدلوا بهذا الحديث، وقصدت عائشة بهذا الكلام رد ما كانت الجاهلية عليه وما يتخيله بعض العوام اليوم من كراهة التزوج والتزويج والدخول في شوال، وهذا باطل لا أصل له وهو من آثار الجاهلية كانوا يتطيرون بذلك لما في اسم شوال من الإشالة والرفع. [5]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا اطْمَأَنّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْمَدِينَةِ وَاجْتَمَعَ إلَيْهِ إخْوَانُهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَاجْتَمَعَ أَمْرُ الْأَنْصَارِ، اسْتَحْكَمَ أَمْرُ الْإِسْلَامِ، فَقَامَتْ الصّلَاةُ وَفُرِضَتْ الزّكَاةُ وَالصّيَامُ وَقَامَتْ الْحُدُودُ وَفُرِضَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَتَبَوّأَ الْإِسْلَامُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَكَانَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ هُمْ الّذِينَ تَبَوّءُوا الدّارَ وَالْإِيمَانَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ قَدِمَهَا إنّمَا يَجْتَمِعُ النّاسُ إلَيْهِ لِلصّلَاةِ لِحِينِ مَوَاقِيتِهَا بِغَيْرِ دَعْوَةٍ، فَهَمّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ قَدِمَهَا أَنْ يَجْعَلَ بُوقًا كَبُوقِ يَهُودَ الّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ لِصَلَاتِهِمْ ثُمّ كَرِهَهُ، ثُمّ أَمَرَ بِالنّاقُوسِ فَنُحِتَ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلْمُسْلِمِينَ لِلصّلَاةِ. [6]
(1) الحديث أخرجه: البخاري كتاب فضائل الصحابة باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وقدومها المدينة وبنائه بها ج 3/ص 1415 (3682)
(2) شرح النووي على صحيح مسلم ج 15/ص 202، ج 15/ص 203
(3) شرح النووي على صحيح مسلم ج 15/ص 202، ج 15/ص 203
(4) الحديث أخرجه: مسلم كتاب النكاح باب استحباب التزوج والتزويج في شوال واستحباب الدخول فيه ج 2/ص 103 (1423)
(5) شرح النووي على صحيح مسلم ج 9/ص 209
(6) سيرة ابن هشام 1/ 508