-عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرًا، فالتقى الناس فهَزَم الله تبارك وتعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، فأكبت طائفة على العسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: وخفنا أن يصيب العدو منه غرة واشتغلنا به فنزلت: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ) [1] فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على فواق بين المسلمين. [2]
وفي رواية: قال عبادة بن الصامت عن الأنفال حين سُئل عن الأنفال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله تبارك وتعالى من أيدينا فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه رسول الله فينا عن بَوَاء، يقول: على السواء. [3]
لقد خلد الله سبحانه وتعالى ذكرى غزوة بدر في سورة الأنفال، وجاءت مفصلة عن أحداثها وأسبابها ونتائجها، وتعرضت الآيات الكريمة لعلاج النفس البشرية وتربيتها على معاني الإيمان العميق والتكوين الدقيق، فبدأت السورة بتبيان حكم أثر من آثار القتال وهو الغنائم، فبينت أن هذه الغنائم لله وللرسول، فالله هو مالك كل شيء، ورسوله هو خليفته، ثم أمر الله المؤمنين ثلاثة أوامر: بالتقوى، وإصلاح ذات البين، والطاعة لله والرسول صلى الله عليه وسلم، وهي أوامر مهمة جدًّا في موضوع الجهاد، فالجهاد إذا لم ينشأ عن تقوى فليس جهادًا، والجهاد يحتاج إلى وحدة صف، ومن ثم فلا بد من إصلاح ذات البين، والانضباط هو الأساس في الجهاد، إذ لا جهاد بلا انضباط، ثم بين الله عز وجل أن الطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم علامة الإيمان.
ثم حدد الله عز وجل صفات المؤمنين الحقيقيين، وهذا الوصف والتحديد مهمان في موضوع الجهاد الإسلامي؛ لأن الإيمان الحقيقي هو الذي يقوم به الجهاد الإسلامي، لقد حدد الله عز وجل صفات المؤمنين: بأنهم إذا ذكر الله فزعت قلوبهم وخافت وفرقت. وإذا قرئ عليهم القرآن ازداد إيمانهم ونما.
والصفة الثالثة: هي التوكل على الله، فلا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الخلق وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب.
(1) الآية من سورة الأنفال، رقم 1
(2) الحديث أخرجه: أحمد بن حنبل ج 5/ص 323 (22814)
(3) الحديث أخرجه: أحمد بن حنبل ج 5/ص 322 (22799)