ويستفاد من بحث الرسول صلى الله عليه وسلم عن مكان ملائم لنزول الجند أهمية الموقع الذي ينزل فيه الجند، وأنه ينبغي أن يتوافر فيه شرط أساسي وهو الحماية التامة للجند؛ لأن ذلك له أثر واضح على سير المعركة ونتائجها. [1]
لقد كانت خطة الرسول صلى الله عليه وسلم في الخندق متطورة، ومتقدمة، حيث شرع بالأخذ بالأساليب الجديدة في القتال، ولم يكن حفر الخندق من الأمور المعروفة لدى العرب في حروبهم، بل كان الأخذ بهذا الأسلوب غريبًا عنهم، وبهذا يكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول من استعمل الخندق في الحروب في تاريخ العرب والمسلمين، فقد كان هذا الخندق مفاجأة مذهلة لأعداء الإسلام، وأبطل خطتهم التي رسموها، وكان من عوامل تحقيق هذه المفاجأة ما قام به المسلمون من إتقان رفيع لسرية الخطة وسرعة إنجازها، وكان هذا الأسلوب الجديد في القتال له أثر في إضعاف معنويات الأحزاب وتشتيت قواتهم.
1 -مُعْجِزَةُ الْكُدْيَةِ:
كان من المعجزات التي ظهرت في هذه الغزوة ما حدث به جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ أَنّهُ اشْتَدّتْ عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الْخَنْدَقِ كُدْيَةٌ، فَشَكَوْهَا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، فَدَعَا بِإِنَاءِ مِنْ مَاءٍ فَتَفَلَ فِيهِ، ثُمّ دَعَا بِمَا شَاءَ اللّهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ، ثُمّ نَضَحَ ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَى تِلْكَ الْكُدْيَةِ، فَيَقُولُ مَنْ حَضَرَهَا: فَوَاَلّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقّ نَبِيّا، لَانْهَالَتْ حَتّى عَادَتْ كَالْكَثِيبِ، لَا تَرُدّ فَأْسًا وَلَا مِسْحَاةً. [2]
2 -الْبَرَكَةُ فِي طَعَامِ جَابِرٍ - رضي الله عنه:
-عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ، قَالَ: عَمِلْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْخَنْدَقِ، فَكَانَتْ عِنْدِي شُوَيْهَةٌ غَيْرُ جِدّ سَمِينَةٌ. قَالَ: فَقُلْت: وَاَللّهِ لَوْ صَنَعْنَاهَا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ. قَالَ: فَأَمَرْت امْرَأَتِي، فَطَحَنَتْ لَنَا شَيْئًا مِنْ شَعِيرٍ، فَصَنَعَتْ لَنَا مِنْهُ خُبْزًا، وَذَبَحَتْ تِلْكَ الشّاةَ فَشَوَيْنَاهَا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ. قَالَ: فَلَمّا أَمْسَيْنَا، وَأَرَادَ رَسُولُ اللّهِ الِانْصِرَافَ عَنْ الْخَنْدَقِ - قَالَ وَكُنّا نَعْمَلُ فِيهِ نَهَارَنَا، فَإِذَا أَمْسَيْنَا رَجَعْنَا إلَى أَهَالِيِنَا - قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللّهِ، إنّي قَدْ صَنَعْت لَك شُوَيْهَةً كَانَتْ عِنْدَنَا، وَصَنَعْنَا مَعَهَا شَيْئًا مِنْ خُبْزِ هَذَا الشّعِيرِ فَأُحِبّ أَنْ تَنْصَرِفَ معي إلى مَنْزِلِي، وَإِنّمَا أُرِيدُ أَنْ يَنْصَرِفَ مَعِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَحْدَهُ. قَالَ: فَلَمّا أَنْ قُلْت لَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمّ أَمَرَ صَارِخًا فَصَرَخَ أَنْ انْصَرِفُوا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى بَيْتِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ. قَالَ قُلْت: إنّا لِلّهِ وَإِنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. قَالَ: فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَقْبَلَ النّاسُ مَعَهُ، قَالَ: فَجَلَسَ وَأَخْرَجْنَاهَا إلَيْهِ. قَالَ: فَبَرّك وَسَمّى (اللّهَ) ، ثُمّ أَكَلَ، وَتَوَارَدَهَا النّاسُ كُلّمَا فَرَغَ قَوْمٌ قَامُوا، وَجَاءَ نَاسٌ حَتّى صَدَرَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَنْهَا. [3]
(1) انظر: القيادة العسكرية في عهد الرسول، ص 426.
(2) سيرة ابن هشام 2/ 217
(3) سيرة ابن هشام 2/ 218