فَلَعَمْرِي لِنَجِدَنّ النّسَاءَ وَالْأَبْنَاءَ. قَالُوا: نَقْتُلُ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينِ، فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ؟ قَالَ: فَإِنْ أَبَيْتُمْ عَلَيّ هَذِهِ، فَإِنّ اللّيْلَةَ لَيْلَةُ السّبْتِ، وَإِنّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَمّنُونَا فِيهَا، فَانْزِلُوا لَعَلّنَا نُصِيبُ مِنْ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ غِرّةً. قَالُوا: نُفْسِدُ سَبْتَنَا عَلَيْنَا، وَنُحْدِثُ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا إلّا مَنْ قَدْ عَلِمْت، فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْك مِنْ الْمَسْخِ. قَالَ: مَا بَاتَ رَجُلٌ مِنْكُمْ مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمّهُ لَيْلَةً وَاحِدَةً مِنْ الدّهْرِ حَازِمًا. [1]
بَعَث يهود بني قريظة إلَى رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم: أَنْ ابْعَثْ إلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ ابْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْأَوْسِ؛ لِنَسْتَشِيرَهُ فِي أَمْرِنَا. فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - إلَيْهِمْ، فَلَمّا رَأَوْهُ قَامَ إلَيْهِ الرّجَالُ، وَجَهَشَ إلَيْهِ النّسَاءُ وَالصّبْيَانُ يَبْكُونَ فِي وَجْهِهِ، فَرَقّ لَهُمْ. وَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا لُبَابَةَ، أَتَرَى أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمّدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى حَلْقِهِ، إنّهُ الذّبْحُ. قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: فَوَاَللّهِ مَا زَالَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتّى عَرَفْتُ أني قد خنت الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ثُمّ انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتّى ارْتَبَطَ فِي الْمَسْجِدِ إلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِهِ، وَقَالَ: لَا أَبْرَحُ مَكَانِي هَذَا حَتّى يَتُوبَ اللّهُ عَلَيّ مِمّا صَنَعْت، وَعَاهَدَ اللّهَ أَنْ لَا أَطَأَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَبَدًا، وَلَا أُرَى فِي بَلَدٍ خُنْت اللّهَ وَرَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - فِيهِ أَبَدًا، وَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِي خِيَانَةِ أَبَى لُبَابَةَ قوله: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللّهَ وَالرّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [2]
فَلَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَبَرُهُ، وَكَانَ قَدْ اَسْتَبْطَأَهُ قَالَ: أَمَا إنّهُ لَوْ جَاءَنِي لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، فَأَمّا إذْ قَدْ فَعَلَ مَا فَعَل، فَمَا أَنَا بِاَلّذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتّى يَتُوبَ اللّهُ عَلَيْهِ. وقد نَزَلَتْ تَوْبَةَ أَبَى لُبَابَةَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ السّحَرِ، وَهُوَ فِي بَيْتِ أُمّ سَلَمَةَ. فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ السّحَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ. قَالَتْ: فَقُلْت: مِمّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ أَضْحَكَ اللّهُ سِنّك. قَالَ: تِيبَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ. قَالَتْ: قُلْت: أَفَلَا أُبَشّرُهُ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: بَلَى إنْ شِئْتِ. قَالَ: قَامَتْ عَلَى بَابِ حُجْرَتِهَا، وَذَلِك قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِنّ الْحِجَابُ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا لُبَابَةَ، أَبْشِرْ فَقَدْ تَابَ اللّهُ عَلَيْك. قَالَتْ: فَثَارَ النّاسُ إلَيْهِ لِيُطْلِقُوهُ. فَقَالَ: لَا وَاَللّهِ حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - هُوَ الّذِي يُطْلِقُنِي بِيَدِهِ. فَلَمّا مَرّ عَلَيْهِ ... رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَارِجًا إلَى صَلَاةِ الصّبْحِ أَطْلَقَهُ. [3]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَقَامَ أَبُو لُبَابَةَ مُرْتَبِطًا بِالْجِذْعِ سِتّ لَيَالٍ، تَأْتِيهِ امْرَأَتُهُ فِي كُلّ وَقْتِ صَلَاةٍ فَتَحُلّهُ لِلصّلَاةِ، ثُمّ يَعُودُ فَيَرْتَبِطُ بِالْجِذْعِ. وَالْآيَةُ الّتِي نَزَلَتْ فِي تَوْبَتِهِ قَوْلُ اللّهِ - عَزّ وَجَلّ: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيّئًا عَسَى اللّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [4]
(1) سيرة ابن هشام 2/ 235
(2) سيرة ابن هشام 2/ 236
(3) سيرة ابن هشام 2/ 237
(4) سيرة ابن هشام 2/ 238