فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 148

إن موطن العبرة في هذا الموقف يكمن في تصرف أبي لبابة بعدما وقعت منه هذه الزلة التي أفشى بها سرًّا حربيًّا خطيرًا، فأبو لبابة لم يحاول التكتم على ما بدر منه والظهور أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين بمظهر الرجل الذي أدى مهمته بنجاح، وأنه لم يحصل منه شيء من المخالفات، وكان بإمكانه أن يخفي هذا الأمر حيث لم يطلع عليه أحد من المسلمين، وأن يستكتم اليهود أمره، ولكنه تذكر رقابة الله عليه وعلمه بما يسر ويعلن، وتذكر حق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العظيم عليه وهو الذي ائتمنه على ذلك السر، ففزع لهذه الزلة فزعًا عظيمًا، وأقر بذنبه واعترف به وبادر إلى العقوبة الذاتية التلقائية، دون انتظار التحقيق وتوقيع العقوبة الواجبة، إنها صورة تطبيقية لقوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [1]

إنها صورة فريدة لتوقيع العقوبة من الإنسان نفسه على نفسه ... ولا يفعل ذلك إلا أهل الإيمان، وما ذلك إلا من آثار الإيمان العميق الراسخ، الذي لا يرضى لصاحبه أن يخالطه إثم أو فسوق.

وقد فرح الصحابة وفرح النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه، بتوبة الله على أبي لبابة، وتسابقوا إلى تهنئته، حتى كانت أم سلمة زوجة النبي - صلى الله عليه وسلم - هي التي بادرت بالتهنئة بعد الإذن فبشرته بقبول الله توبته. [2]

نُزُولُ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ الرّسُولِ - صلى الله عليه وسلم -، وَتَحْكِيمُ سَعْد بن معاذ رضي الله عنه:

لَمّا أَصْبَح القوم نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَتَوَاثَبَتْ الْأَوْسُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، إنّهُمْ مَوَالِينَا دُونَ الْخَزْرَجِ، وَقَدْ فَعَلْتَ فِي مَوَالِي إخْوَانِنَا بِالْأَمْسِ مَا قَدْ عَلِمْت - وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَبْلَ بَنِي قُرَيْظَةَ قَدْ حَاصَرَ بَنِي قَيْنُقَاعِ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَسَأَلَهُ إيّاهُمْ ... عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ابْن سَلُولَ، فَوَهَبَهُمْ لَهُ - فَلَمّا كَلّمَتْهُ الْأَوْسُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم: أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم: فَذَاكَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.

وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ جَعَلَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي خَيْمَةٍ لِامْرَأَةِ مِنْ أَسْلَمَ، يُقَالُ لَهَا رُفَيْدَةُ فِي مَسْجِدِهِ كَانَتْ تُدَاوِي الْجَرْحَى، وَتَحْتَسِبُ بِنَفْسِهَا عَلَى خِدْمَةِ مَنْ كَانَتْ بِهِ ضَيْعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ قَالَ لِقَوْمِهِ حِينَ أَصَابَهُ السّهْمُ بِالْخَنْدَقِ اجْعَلُوهُ فِي خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ حَتّى أَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ. فَلَمّا حَكّمَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ أَتَاهُ قَوْمُهُ فَحَمَلُوهُ عَلَى حِمَارٍ قَدْ وَطّئُوا لَهُ بِوِسَادَةِ مِنْ أَدَمٍ، وَكَانَ رَجُلًا جَسِيمًا جَمِيلًا، ثُمّ أَقْبَلُوا مَعَهُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، أَحْسِنْ فِي مَوَالِيك، فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّمَا وَلّاك ذَلِكَ لِتُحْسِنَ فِيهِمْ. فَلَمّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ، قَالَ: لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ. فَرَجَعَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ إلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَنَعَى لَهُمْ رِجَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ سَعْدٌ عَنْ كَلِمَتِهِ الّتِي سَمِعَ مِنْهُ. فَلَمّا انْتَهَى سَعْدٌ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْمُسْلِمِينَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: قُومُوا إلَى سَيّدِكُمْ. فَأَمّا الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ فَيَقُولُونَ: إنّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْأَنْصَارَ. وَأَمّا الْأَنْصَارُ فَيَقُولُونَ: قَدْ عَمّ بِهَا رَسُولُ اللّهِ

(1) الآية من سورة النساء: رقم 17

(2) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص 261.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت