فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 148

كان مبدأ التآخي العام بين المسلمين قائما منذ بداية الدعوة في عهدها المكي، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن كل ما يؤدي إلى التباغض بين المسلمين فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» [1] .

وقد أكد القرآن الكريم الأخوة العامة بين أبناء الأمة في قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [2]

وقوله تعالى: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [3]

أما موضوع هذا البحث فهو المؤاخاة الخاصة التي شرعت وترتبت عليها حقوق وواجبات أخص من الحقوق والواجبات العامة بين المؤمنين كافة، ساهم نظام المؤاخاة في ربط الأمة بعضها ببعض، فقد أقام الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الصلة على أساس الإخاء الكامل بينهم، هذا الإخاء الذي تذوب فيه عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه. [4]

قال ابن القيم: ثُمّ آخَى رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانُوا تِسْعِينَ رَجُلًا، نِصْفُهُمْ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، وَنِصْفُهُمْ مِنْ الْأَنْصَارِ، آخَى بَيْنَهُمْ عَلَى الْمُوَاسَاةِ يَتَوَارَثُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ دُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ إلَى حِينِ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَلَمّا أَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ} [5] رَدّ التّوَارُثَ إلَى الرّحِمِ دُونَ عَقْدِ الْأُخُوّةِ. [6]

وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخوة عقدًا نافذًا لا لفظًا فارغًا، وعملا يرتبط بالدماء والأموال لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر، وكانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال. [7]

والسبب الذي أدى إلى تقوية هذه الأخوة بين المهاجرين والأنصار هو أن أهل هذا المجتمع ممن التقوا على دين الله وحده، نشّأهم دينهم الذي اعتنقوه على أن يقولوا ويفعلوا، وعلّمهم الإيمان والعمل جميعًا، فهم أبعد ما يكونون عن الشعارات التي لا تتجاوز أطراف الألسنة، وكانوا على النحو الذي حكاه الله عنهم في قوله تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [8]

(1) الحديث أخرجه: البخاري كتاب الأدب باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر ج 5/ص 2253 (5717) ، ومسلم كتاب البر والصلة والأداب باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوها ج 4/ص 1985 (2563) ،

(2) الآية من سورة آل عمران، رقم 103

(3) الآية من سورة الأنفال، رقم 63

(4) السيرة النبوية للصلابي 1/ 381 - 382

(5) الآية من سورة الأحزاب، رقم 6

(6) زاد المعاد 3/ 55

(7) انظر: فقه السيرة للغزالي ص 193، 194

(8) الآية من سورة النور، رقم 51

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت