بالانتقال من أمر رائج إلى آخر. وهنا، لا يعني التيه هو ذلك الهدف الذي ينتهي إليه الإنسان المتخارج، بل هو في بداية تحوله من كائن مغلق إلى كائن منفتح متخارج. بمعنى أن التيه لايكون موازيا أو محاذيا للإنسان، بل إنه من صميم بنيته الداخلية لكينونته المبنية على نسيان الوجود المتخارج المنغلق على ذاته، وعدم القدرة على تقديرها تقديرا صحيحا. ومن هنا، ينشأ التيه الذي يعتبر ماهية مضادة للحقيقة، ومجالا مفتوحا للغلط.
ومن جهة أخرى، يرى إريك فايل (Eric Weil) (1904 - 1972 م) ، في كتابه (منطق الفلسفة) ، أن مقابل الحقيقة ليس هو الخطإ، وإنما هو العنف الذي يغيب المعنى، ويفكك الاتساق المنطقي والحجاجي لكل خطاب، ويؤثر سلبا في النظام والانسجام. بمعنى أن الحقيقة قيمة وجودية، وهي ضد العنف والتطرف والجوع. ومن ثم، ليست الحقيقة مطابقة الفكر للواقع، بل مطابقة الإنسان للفكر. أي: التطابق مع الخطاب العقلاني المتماسك الذي يلغي العنف لصالح المعنى والتعايش والتفاهم والتسامح. وفي هذا الصدد، يقول إريك فايل:"ليست الحقيقة هي مشكلة الفلسفة، بل وليست حتى مشكلة أمام الفلسفة: فما سميناه بالوعي الصحيح إنما يعني بالضبط أن كل سؤال، يخص إمكانية الفلسفة، وأن كل تأمل منهجي، بخصوص الخطاب في شموليته، هما، في آن معا، سطحيان ولا معنى لهما على وجه الدقة. إن آخر الحقيقة ليس هو الخطأ، وإنما هو العنف، ورفض الحقيقة والمعنى والتماسك، ومن ثم اختيار الفعل السالب أو اللغة المفككة والخطاب التقني الذي يقدم الخدمة دون طرح السؤال لخدمة ماذا، ولزوم الصمت، وهو تعبير عن الشعور الشخصي الذي يريد أن يكون شخصيا ..."