المحسوس والمتغير والنسبي، بل توجد في عالم المثل الذي يحتوي بدوره على قيم متكاملة ومطلقة، كالعدل، والحق، والخير، والجمال. وتتسم هذه القيم بكونها خالدة وحقيقية وكلية ومطلقة. بينما قيم البشر هي قيم زائفة ونسبية، مادامت ترتبط بالعالم النسبي الذي هو انعكاس مشوه للعالم الحقيقي المثالي. ومن ثم، فالقاضي العادل الحقيقي لايوجد إلا في عالم المثل، بينما في عالمنا المتغير لا يوجد سوى قاض نسبي غير كامل في قيمه وعدالته وفضائله. وينطبق هذا الحكم على الجميل والخير وعلى باقي القيم الأكسيولوجية والفضائل الإنسانية المعروفة لدينا. وعلى هذا الأساس، طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته الفاضلة لكونهم يحاكون عالما نسبيا وغير حقيقي [1] . ومن هنا، ينطلق أفلاطون من تصور مثالي مفارق لعالم المادة والحس والتجربة والظواهر الملموسة بغية تبيان مصدر الحقيقة اليقينية الصادقة.
يرفض الفيلسوف اليوناني أرسطو (Aristote) (نحو 384 - 322 ق. م) تصور أستاذه أفلاطون بشكل جذري، وينكر أن يكون هناك عالم المثل بهذا التجريد الخيالي الطوباوي. ومن ثم، يستحيل أن يصدر المادي المحسوس عن المثالي المجرد. ومن هنا، يقول أرسطو بأن الحقيقة اليقينية توجد في عالمنا الحسي المادي، ولكن تكمن في الجواهر دون الأعراض. أي: إن الحقيقة ثابتة في الجوهر
(1) - انظر أفلاطون: جمهورية أفلاطون، ترجمة: حنا خباز، دار القلم، بيروت، لبنان، بدون توثيق للطبعة وبدون تحديد لتاريخها.