يؤكد أرسطو أن الحقيقة المتعالية على الشك والظن والاحتمال هي الحقيقة البرهانية القائمة على العقل والمنطق واليقين الرياضي، سواء على مستوى الاستقراء أم على مستوى الاستنباط؛"لأن الحكم الذي يقرر نفسه على أنه صادق، يقرر نفسه أيضا على أنه قد أقيم البرهان عليه. والبرهان هو، على وجه التحديد، ما يسمح له بأن يؤكد نفسه، هو القوة التي تدعمه من الداخل، وتثبت صحته وصدقه. والواقع أن امتلاء الوعي بحقيقة من الحقائق، إنما هو إدراك هذه الحقيقة في ينابيعها وأسسها الشرعية، وإذا أخذنا بهذا المعنى للبرهان ... فلا يمكن لقضية أن تقرر نفسها بلا برهان. وعندما تحمل برهانها في نفسها نسميها بديهة [1] ."
ويتبين لنا، من هذا النص، أن السبيل الوحيد للوصول إلى الحقيقة- حسب أرسطو- ليس هو الشك أو السفسطة أو الخطابة المغالطية، بل المسلك الوحيد لليقين هو البرهان العقلي والمعالجة المنطقية الصحيحة.
وتأسيسا على ماسبق، فالحقيقة واحدة (الحقيقة الربانية) ، بيد أن الطرق المؤدية إليها متنوعة، قد يكون الطريق نصا أو برهانا أو بيانا أو عرفانا ... أما الحقيقة العلمية - في منظوري الشخصي- فهي حقيقة فرعية في خدمة الحقيقة الأصل، وهي الحقيقة الربانية، وهذه الحقيقة الثانوية قد نصل إليها عبر العقل أوعبر التجربة أو عبرهما معا.
(1) - محمد بديع الكسم: البرهان في الفلسفة، ترجمة جورج صدقني، منشورات وزارة الثقافة، سوريا، دمشق، طبعة 1991 م، ص:51 - 55.