تتخذ الحقيقة، في الخطابين الفلسفي والإبستمولوجي، في الفترة الحديثة والمعاصرة، عدة أوجه وأنماط فكرية، فقد تكون الحقيقة عقلية مع ديكارت - مثلا-، أو حسية مع التجريبيين، كدافيد هيوم، وجون لوك، واستيورات ميل ... ، أو تكون حقيقة حدسية مع هنري برجسون، أو تكون حقيقة برجماتية مع وليام جيمس ... وقد تكون الحقيقة فطرية أو مكتسبة، وقد تكون يقينية مطلقة مع نيوتن - مثلا-، أو نسبية و محتملة مع إنشتاين، أو تكون منعدمة مع فيلسوف النفي نيتشه ...
هذا، وتعتمد الحقيقة على آليات متنوعة وأنساق فلسفية مختلفة ومتباينة المنظور والتصور. والغرض من هذه الدراسة هو إدراك التحولات التي طالت مفهوم الحقيقة في فلسفات الماضي والحاضر، ورصد تحولاتها في الإبستمولوجيات الحديثة والمعاصرة، وإدراك قيمة الحقيقة وجوديا ومعرفيا وقيميا، وتقديرها تقديرا نقديا إيجابيا. إذًا، ما الحقيقة في اللغة والاصطلاح؟ وهل يمكن تأسيس الحقيقة على الرأي الشخصي والاعتقاد والظن والوهم والاحتمال؟ وهل الحقيقة معطى أم بناء؟ وما مصادر الحقيقة ومعاييرها؟ وهل الحقيقة واحدة أو متنوعة؟ وهل الحقيقة مطلقة أو نسبية؟ وماهي قيمة الحقيقة؟ تلكم هي الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها في هذه الورقة المتواضعة.
هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ (مفهوم الحقيقة في الخطاب الفلسفي) ، على أساس أن ليس هناك حقيقة فلسفية واحدة، بل ثمة حقائق