وخلاصة القول: فإنَّ مؤرِّخي مدرسةِ الحوليات أحْدثوا قطيعةً"إبيستمولوجية"مع الاتجاهِ السابق في الكتابةِ التاريخيَّة، وعمِلوا على تجاوزِ التاريخ"الحدثي"، ودعوا إلى تاريخٍ"إشكالي"يقرُّ بأهميةِ العوامل التركيبيَّة في دراسةِ التاريخ.
لكنَّ الملاحظةَ المسجلة في هذا الباب، أنَّ المؤلِّف ركَّزَ على كتاباتِ الغربيِّين (بروديل، مونيو .. ) ، وهمَّش كتاباتٍ في التراث الإسلامي والعربي، والتي استطاعتْ أن تتناولَ هذه الجوانب التي يعتبرُها المؤلِّف نظرةً جديدة في معالَجةِ القضايا التاريخيَّة، بالرجوعِ إلى المصنَّفات التاريخيَّة لدَى العربِ والمسلمين، نعثرُ على فسيفساء تاريخي: التواريخ الموضوعيَّة التي تهتمُّ بظاهرةٍ معيَّنة عبر التاريخ، ومنها التواريخُ التي تُعْنى بطوائف معينةٍ منَ المجتمع: كالأدُباء، والأطبَّاء، والأذكياء، والمعمّرين، وأصحاب العاهات ... إلى غيرِ ذلك من التواريخِ الموضوعيَّة، ومنها: التواريخُ الجغرافية - إن صَحَّ التعبير - وهي التي صُنِّفَت في البلدان، والمدن، والقرى، وهي تَعْرِضُ لتاريخ تلك المدن، ومنها: التأريخ لظواهِر اجتماعيَّة معيَّنة، كالبُخل، أو كوارث ونكبات لها مردودُها على حالِ المجتمع في جوانبِه كافَّة: الاقتصاديَّة والسياسيَّة، والاجتماعيَّة والدِّينيَّة وغيرها كالطاعون.
لهذا فالبُعدُ الذي جاء به المؤلِّف نتاجُ مؤرخي أوروبا قبل عصر النَّهضةِ، بعد موجةٍ من الظَّلامِ الفكري والعقدي والاجتماعي والسياسي؛ لهذا فالمدرسةُ الحولية ليستْ أفكارها جديدةً بالنسبةِ إلى ما أنتجتْه الحضارةُ العربيَّة والإسلاميَّة!
المجالُ هو ما يُعبّر عن ديناميةِ المجموعات البشريَّة، فلكلِّ مجالٍ تاريخي هُويتُه وخصوصيته الثقافيَّة، ومميزاته الحضاريَّة، فهناك بَوْنٌ شاسع بيْن المجالِ الإسلامي مثلًا والمجالِ الأوروبي، والمجالِ الهندي والمجال الصِّيني، وهكذا دواليك.
-أمَّا المجال التاريخي: حسب (Rosenberger Bernard) تأتي أهميتُه مِن الدورِ الذي لعِبه في التاريخِ البشري منذ عصور، فهو دائمًا موضوع صِراعٍ بيْن الجماعاتِ البشريَّة والتشكيلات القبليَّة.
-مستويات المجال: للتمييزِ بين المجالات حدَّد الباحثُ ثلاثةَ سلالم أساسيَّة: