الصفحة 20 من 45

بالنسبة لمؤرِّخ اليوم أيضًا، فكل حجَّة إقناعية ترتكز على طرْح الإشكال الذي ينحرِف دائمًا إلى فرضية الانطلاق.

أما المؤرِّخ الوضعاني، فيفتقر إلى الاستقلالية، يقتصر فقط على اجترارِ ما سطَّره الآخرون قبْلَه، ولا يُمكنه أن يكتب تاريخًا دون أن يتوفَّر على مادَّة وفيرة حولَ الموضوع المدروس، بينما الاستقلاليَّة - أساسية في كلِّ تفكير تاريخي - تقود المؤرِّخ إلى التساؤل عن معنى الوثيقة بغضِّ النَّظَر عن المعنى المصرَّح به مِن طرف صاحب الوثيقة بطريقةٍ توضِّح إشكالية الدِّراسة.

خلاصة:

مِن وجهة نظَر ديداكتيكيَّة، فمِن الضروري تعويد التلاميذ على الأخْذ بعين الاعتبار أنَّ"الحدث التاريخي"تَمَّ بناؤه وإنتاجه عبرَ خُطوات منهجيَّة للمؤرِّخ.

عرَف التفسير في حقْل التاريخ قفزةً إبستمولوجية تمثَّلت في الانتقال مِن التاريخ الحدَثي السردي إلى التاريخ الإشكالي، حيث يهتمُّ الأول بالتاريخ السياسي الحدَثي وما يُحيط به مِن تاريخ عسْكري ودبلوماسي، كذلك نجده يهتمُّ بالأحداث المنفرِدة والقصيرة.

في حين أنَّ التاريخ الجديد، تاريخٌ إشكالي، بمعنى أنَّ المؤرخ يُعطي أهميةً بالغة في طرْح الإشكاليات مِن خلال صياغة أسئلة انتقائيَّة على الماضي ثم يقوم بصياغة مجموعةٍ من الفرضيات، هذه الأخيرة يحاول إثباتها أو تفنيدها مِن خلال العثور على وثائقَ جديدة، ثم يمرُّ بمرحلة التعريف، بمعنى تحليل الوثائق؛ قصدَ التعريف بالأحداث في سياقها التاريخي، ومدَّة ملاءمتها مع المشكل التاريخي المبحوث فيه مِن طرَف المؤرخ، ويمرُّ في مرحلة لاحقة بالتفسير، وهنا نطرح مجموعةً مِن الأسئلة: ما مفهوم التفسير؟ وما مرجعياته؟ وكيف هي أنواعه؟ ومستوياته؟

أ- ماهية التفسير التاريخي:

فالمؤرِّخ لا يقِف عند استخراج الأحداث وترتيبها وتلخيصها ثم سرْدها، وإنَّما يتجاوز ذلك بالعَمل على إيجاد العلاقات الرابِطة بيْن تلك الأحداث في إطار نِظام من السببيَّة والمعنى، وهذا ما يُضفي المعقوليةَ على عمل المؤرِّخ، حيث ترقَى المعرفة التاريخيَّة إلى درجةِ العلميَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت