جاء مفهومُ"الإشكالية التاريخية"مع التطورِ الذي عرَفتْه المعرفة التاريخيَّة في إطارِ ما يُسمَّى بـ"التاريخ الجديد"؛ إذ تعدُّ الإشكالية أُولى المراحلِ الكُبرى لمسارِ الفِكر التاريخي؛ لكونِها تشكلُ النواةَ الصلبة في كلِّ العمليات الفكرية والذهنية التي يقومُ بها المؤرِّخُ، بقصد إعادةِ بناء وتشكيل المعرفةِ التاريخية وَفْق تصوراتٍ وتساؤلات جديدة.
1 -الإشكاليةُ شرطٌ منهجي أساسي: حسب - Mandrou 2000 - يجب الاعترافُ بأنَّها وحْدها الإشكالية المتماسِكة والمترابطة مبنيَّة بحذر وخيال خصب، تستطيع أن تنعشَ البحث وتستنطق الوثائق.
* ويُمكن اعتبار الإشكالية كقطيعةٍ إبستمولوجية وتحديد معمَّق بين الاتِّجاه الوضعاني (التاريخ المعتمد على الوثائق) ، والتاريخ الجديد (الذي يُركِّز على القضايا المجتمعيَّة والاقتصاديَّة دون الاهتمام المطلَق بالجانبِ السِّياسي) :
* بالنسبة للأوَّل: فالتاريخ يتكوَّن عن طريقِ جمْع آثار الماضي ومصادره.
* أما بالنسبة للثاني - على ضوء هذه المقارَبة: فالمؤرِّخ يجعل مِن حاضره هو حاضر الماضي ومستقبله في مستقبل ذلك الماضي؛ يعني: لا يُمكن ألبتةَ الفصل بيْن الماضي كهُويَّة، ومستجدَّات الحاضر في جدلية نافعة تخدم قضايا الأمَّة واهتماماتِها.
2 -اختيار موضوع البحث: إنَّ مسألة اختيار موضوع البحْث ضرورةٌ حتميَّة تمليها طبيعة الدِّراسة حسبَ"بول فاين Paul veyne"، فهي مشكلةٌ مرتبطة بالبحث التاريخي وصياغته، كما أنَّ هذا الاختيار التاريخي، كثيرًا ما يتأثَّر بشخصية المؤرِّخ إلى حدٍّ كبير: (اهتماماته وتطلعاته التاريخيَّة، وكذا خلفيته العلميَّة) ، فليس مِن الممكن عمليًّا أن يعالج المؤرِّخُ جميعَ الأحداث المتَّصلة بالموقف التاريخي بنفْس الاهتمام، ولكن عملية الاختيار - الآنِفة الذِّكر - تتحكَّم فيها بالضرورة مجموعةٌ من العوامل الشخصيَّة والهُويَّة، وهي في جملتها عواملُ ذاتية لا يستطيع الإنسان الفكاك منها.
بعدَ اختيار المشكلة وتقييم أهميَّتها كخُطوة أولى تأتي الخُطوة التالية المتمثِّلة في تحديد هذه المشكلة بدقَّة أكثر؛ أي: صياغتها بشكلٍ يمكِّن مِن تحليلها بفعالية.
ويمكِن تعديل أبعاد الموضوع المختار للبحْث مِن خلال ضبط بؤرة التركيز لأيٍّ مِن المجالات الأربعة التالية:
-المجال الجغرافي المدروس: إذ يُمكن توسيع المساحة الجغرافية التي وقَعتْ فيها الأحداث أو تضييقها.