إنَّ اختيار الفرضية يُتيح للمؤرِّخ ألاَّ يحتفظ إلاَّ بصلاحية جزءٍ مِن العناصر المتضمّنة في الوثائق، حسب"شاييم برلمان" (Chaim Perlman) توجد آليتان مختلفتان يتمُّ توظيفهما لتحديدِ دَلالة وأهميَّة بعض الأحداث، أو بعض الأفعال الإنسانيَّة:"الروابط التتابعية"، و"الروابط التعايشية":
الأولى: (دياكرونيَّة) تعاقبيَّة، والثانية (سانكرونيَّة) تزامنيَّة، فالأولى - باعتبارها تعاقبيَّة - تحيلنا إلى الحِكاية أو القصَّة المنحنَى، والثانية - باعتبارها تزامنية - تحيلنا إلى اللوحة وإلى المقطع.
هاتان التقنيتانِ تؤكِّدان أنَّ المؤرخ لا يَنطلِق من الجزء إلى الكلِّ، بل مِن الكل إلى الجزء.
3 -صحَّة الأحداث بيْن الحُجج الوثائقيَّة الحجج الإقناعيَّة:
ويلجأ المؤرِّخ إلى نوعين مِن الحجج؛ مِن أجل إثبات حقيقة الأحداث: حُجَّة وثائقية، وأخرى حُجَّة إقناعية:
أ- الصحة (validite) على ضوء الحُجَّة الوثائقيَّة:
عندما يبدأ المؤرِّخ في البحث، قد يكون متوفرًا على الأسئلة، ومقدمة لعملية الحجج/ الإقناع، ويبحث في الوثائق عن أجوبة عن أسئلته، وعن عناصر الاستدلال.
إنَّ مهمة المؤرِّخ ليست مبنية على الخيال، بل على الأحداث (بروست Prost، 1996، ص:57) .
مِن جهة أخرى، فالمؤرِّخ يدرك أنَّ الشهاداتِ التي يعتمد عليها يُمكِن أن تكون جزئيةً أو مغلوطة، مِن هنا كان لزامًا عليه إخضاعها (أي: الشهادات) للتمحيص والنقد، ويمكن التمييز بيْن نوعين مِن النقد: النقد الخارجي (la critique externe، والنقد الداخلي (la critique interne.
ب- الصحَّة على ضوء الحُجَّة الإقناعية:
لا تعترض المؤرِّخ الوضعاني (l'historien positiviste) سوى مشكلةٍ واحدة في قَبول أو رفْض الشهادة التي لها صِلةٌ ما بالموضوع الذي يدرسه، ونوع الحُجَّة التي يلجأ إليها لحلِّ مثل هذا المشكل، هو النَّقْد التاريخي.
بالنسبة لمؤرِّخ اليوم، لا يجزم بصحَّة هذه الشهادة أو بطلانها، بل يُخضِعها للنقد والتمحيص، هذه المقاربة تجعل الحُجَّة الإقناعية والحجَّة الوثائقية جنبًا إلى جنب، لا يمكن بتاتًا الفصمُ بينها.