إنَّ مرور المؤرِّخ بهذه المرحلة مسألةٌ غاية في الأهمية؛ لأنَّه يستحيل - بدونها - انتقاله إلى مستويات أخرى: التفسير، والتحليل، والتأويل، والنقد، والتركيب.
كما أنَّ الأحداث التاريخيَّة، ليستْ جاهزةً في مصادرها، بل يتمُّ بناؤها بواسطة المنهج التاريخي الذي يكون في هذه المرحلة، انتقائيًّا ونقديًّا، وتتنوَّع الأحداث المعرَّفة بيْن مادية محضة، أو أحداث فِكرية - ذِهنية.
1 -مفهوميَّة الأحداث: Intelligibilite des faits:
إنَّ فَهم الأحداث التاريخية يتطلَّب أولًا - وقبل كل شيء - التوفرَ على الوثائق، بعد ذلك يتمُّ استنطاقها بانتقائها ووضْعها في سِياقها التاريخي، وبعدَها تتمُّ عملية التمحيص والنقد.
أ- المفهومية ولغة الوثائق: في هذا السِّياق حذَّر مصطفى حسني مِن خطورة توظيف لُغة اليوم ومعطيات اليوم على المرحلة السابِقة؛ إذ إنَّ ذلك يستلزم الاحتياطَ من الوقوع فيما يُسمَّى بخطر الانحراف التاريخي (un risque d'anachronisme) ، مِن ثم فالمؤرَّخ - منهجيًّا - عليه أن يشتغلَ على صعيدين (الظاهر والباطن) ؛ ليستخرج مِن الوثائق المعلومات التي يبحث عنها، وقد صوَّر ابنُ خلدون - رحِمه الله - ذلك بأسلوبٍ رائع ورقْراق؛ حيث يرى أنَّ:"التَّاريخ في ظاهرِه لا يَزِيد عنْ أخبار الأيَّام والدُّول والسوابق منَ القرون الأولى، ولكنَّه في باطنِه: نَظَرٌ وتحقيقٌ وتعليل لكائنات ومبادئها دقيق، وعِلم بكيفيَّات الوقائع وأسبابها عميق؛ فهو لذلك أصيلٌ في الحِكمة عريق، جديرٌ بأن يُعَدَّ في علومها خَلِيق"؛ (المقدِّمة) .
ب -المفهومية وسياق الأحداث: إنَّ فَهم الأحداث التاريخيَّة يمرُّ عبْر وضعها في سِياقها، هذه العملية التي تكشف عن المعاني المضمرة.
ويُمكن أن تكونَ أُفقية (horizontale) انطلاقًا من نوعيتها: (مقارنة الأحداث بأُخرى مشابهة) ، أو عمودية (verticale) مستمدَّة مِن شروط الإنتاج: (موقع حدَث معيَّن بالنِّسبة لأحداث أخرى مختلِفة أو متشابهة) .
وكل مِن هاتين العمليتَين قد تتمُّ بصورةٍ سانكرونيَّة (تزامنية) ، أو دياكرونية (تعاقبيَّة) في مُدَد تختلف بيْن القصيرة أو متوسِّطة أو طويلة.
2 -الملاءمة في الأحْداث la pertinence des faits:
إنَّ غاية التاريخ ليس إعادة إنتاج الماضي بل بناءه، وهو ما يفترض انتقاء داخل"المجال الحدثي"(champ