كأن شيخ الإسلام يشير إلى أن سبب تأليف هذا النظم في العقيدة هو سؤال مسترشد عن عقيدة أهل السنة والجماعة التي يذهب إليها ويعتقدها رحمه الله، وقد ذكر في تأليفه للعقيدة الواسطية نحوًا من هذا، فقال:"إن سبب كتابتها أنه قدم علي من أرض واسط بعض قضاة نواحيها؛ شيخ يقال له: رضي الدين الواسطي من أصحاب الشافعي، قدم علينا حاجًا، وكان من أهل الخير والدين، وشكا ما الناس فيه بتلك البلاد وفي دولة التتر من غلبة الجهل والظلم، ودروس الدين والعلم، وسألني أن أكتب له عقيدةً تكون عمدةً له ولأهل بيته، فاستعفيت من ذلك، وقلت: قد كتب الناس عقائد متعددة؛ فخذ بعض عقائد أئمة السنة، فألحّ في السؤال، وقال: ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت، فكتبت له هذه العقيدة، وأنا قاعد بعد العصر". [1]
و"من في قلبه أدنى حياة، وطلب للعلم، أو نهمة في العبادة؛ يكون البحث عن هذا الباب، والسؤال عنه، ومعرفة الحق فيه؛ أكبر مقاصده، وأعظم مطالبه؛ أعني بيان ما ينبغي اعتقاده". [2]
والسؤال عن العلم الذي يحتاجه العبد ليس من السؤال المذموم، فـ"أما سؤال ما يسوغ مثله من العلم فليس من هذا الباب؛ لأن المخبر لا ينقص الجواب من علمه بل يزداد بالجواب، والسائل محتاج إلى ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: (هلّا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإن شفاء العي السؤال) ، ولكن من المسائل ما ينهى عنه، كما قال تعالى: لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء .. ، الآية، وكنهيه عن أغلوطات المسائل ونحو ذلك"، [3] و"قريب من هذا الباب: ما خرّجاه في الصحيحين عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم) ؛ فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به معللًا ذلك بأن سبب هلاك الأولين إنما كان لكثرة السؤال، ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية". [4]
(1) . مجموع الفتاوى 3/ 164.
(2) . مجموع الفتاوى 5/ 8.
(3) . مجموع الفتاوى 1/ 78.
(4) . اقتضاء الصراط المستقيم/40.