على أن ذلك لا ينفي أن العثمانيين لم يكن لهم رصيد حضاري سابق الوجودهم في آسيا الصغرى واعتناقهم الإسلام كمنهج حضاري، وتأخر
ظهور هويتهم الحضارية إلى ما بعد انتهاء مرحلة الفتوح حيث تفرغوا الاستيعاب باقي الرصيد الحضاري الإسلامي الذي كان قد تجمد منذ العصر العباسي الثاني. وكانت أوروبا في نفس الوقت قد استوعبت هذا الرصيد الذي وصلها عن طريق الأندلس وجنوب إيطاليا، ومن خلال حركة التبادل التجاري ونشاط الرحالة، وكذلك عن طريق بعض علماء بيزنطة الذين فروا أمام الفاتح التركي إلى غرب أوروبا، وكان البيزنطيون قد وقعوا تحت التأثير الحضاري الإسلامي منذ القرن الثالث عشر، وتمت من خلال هذه المصادر ترجمة الكثير من علوم الطب والفلك والرياضة والجغرافيا والفلسفة وغيرها.
وصهرت أوروبا هذا الرصيد الحضاري الهائل مع ما كان فيها من رصيد حضاري سابق من الحضارة اليونانية والحضارة الرومانية وغيرها في قالب جديد ميزه عن كل هذه الحضارات السابقة، ورجحت كفة أوروبا الحضارية على كفة الرصيد الحضاري الإسلامي المتجمد بزعامة العثمانيين.
وكان من الممكن للعثمانيين أن يتأثروا بأي من الحضارات بيزنطية كانت أم إسلامية، لكن الحضارة البيزنطية كانت تعاني من الضعف والاضمحلال بحيث لم تتمكن من أن تسبق إلى التأثير، بل إن البيزنطيين أنفسهم وبخاصة في الأناضول قد تعرضوا لموجة الحضارة الإسلامية التي تمكنت من أن تطغى شيئا فشيئا على هويتهم الحضارية قبل أن يزول سلطانهم السياسي. وكانت الحضارة الفارسية أكثر تأثيرا على الأتراك في الأناضول من غيرها، فيذكر المؤرخ التركي «محمد فؤاد کوپر بلي، أن الفارسية قد طغت على التركية حتى انصرف الأدباء