العصر العباسي الثاني، ويرجع في مصر إلى العصر المملوكي، ولم يسع العثمانيون إلى تغيير ذلك وبخاصة في فترات الضعف خشية أن يسهم ذلك في حركات التمرد المحلية. ومع التسليم بالآثار السلبية لهذا الجانب - البعيد كل البعد عن التعاليم الإسلامية - إلا أنه يلاحظ أن المصريين - شأنهم شأن غيرهم من الشعوب الإسلامية - قد ارتضوا، طوعا أو كرمة، أن يحكمهم حاکم مسلم حتى ولو كان عبدة مملوكة، وكانت ثورتهم ضد بعض هؤلاء الحكام في الغالب قاصرة على سلوكه أو سوء حكمه أكثر من اعتراضهم على وجوده في الحكم، في حين لم يرتضوا بأي حال من الأحوال حاكم غير مسلم وهو أمر يفسر ثوراتهم المتعاقبة على الفرنسيين في السنوات الثلاث التي أمضوها في مصر في حين لم يسجل تاريخهم مثل هذا الكم من الثورات ضد أكثر الحكام المسلمين ظلا وهو أمر البعض من كتاب التاريخ، وبعضهم غير مسلمين، لاتهامهم بالتواكل والسلبية. وقد أكد نابليون هذه الحقيقة في أحد منشوراته حيث ذكر في معرض تردده للمصريين - قولوا للمفترين أنني ما تصدت إليك إلا الأخلص حقك من يد الظالمين، وأنني أكثر من الماليك أعبد الله سبحانه وتعالى واحترم نبيه والقرآن العظيم، (9) .
وبرغم كل وسائل التودد فقد أبدى المصريون عدم تقبلهم للفرنسيين، وعبر الجبرتي عن هذه المشاعر حين اعتبر سني الاحتلال الفرنسي لمصر. أولى سني الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة والوقائع النازلة والنوازل الهائلة وتضاعف الشرور وترادف الأمور وتوالي المحن واختلاف الزمن وانعكاس المطبوع وانقلاب الموضوع وتتابع الأموال واختلاف الأحوال وفساد التدابير وحصول التدمير، وعموم الخراب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(9) د. إبراهيم العدوي: المرجع السابق ص 83.