الفرنسيون في حارة و الناصرية، فيقول: «وإذا حضر إليهم بعض المسلمين ممن يريدوا الفرجة لا يمنعونه الدخول إلى أعز أماكنهم، ويتلقونه بالبشاشة والضحك وإظهار السرور بمجيئه إليهم وخصوصا إذا رأوا فيه قابلية أو معرفة أو تطلعا للنظر في المعارف والأقاليم والحيوانات والطيور والنباتات وتواريخ القدماء وسير الأمم وقصص الأنبياء وبتصاوير هم وآياتهم ومعجزاتهم وحوادث أمهم مما يحير الأفكار (4)
كان الفرنسيون - والغربيون بصفة عامة - يدركون أن السر في قوة الشرقي المسلم يتمثل في جانبين هامين الأول هو تمسكه بالدين والثاني في وحدة بلادهم في ظل حكومة إسلامية مطاعة مهابة، وقد أكد رجال الحملة الفرنسية إدراكهم لهذين العاملين حين أعلن نابليون وبعض رجاله اعتناقهم للإسلام واحترام تعاليمه وزواجهم من مسلات كي يتخذوا من ذلك ذريعة للتقرب للعوام أملا في الاستقرار، وقد بدا ذلك واضحة في المنشور الأول الذي أعلنه نابليون على شعب مصر حيث ذكر: «أيها المصريون قد قيل لكم أنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينك فذلك كذب صريح فلا تصدقوه وقولوا للمفترين أنني ما قصدت إليك إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وأنني أكثر من الماليك أعبد الله سبحانه وتعالى وأحترم نبيه والقرآن العظيم (5) ... كما سعي رجال الحملة في نفس الوقت إلى زعزعة العامل الديني في نفوس المشايخ والعلماء المسلمين بعرض نماذج من الحضارة الغربية عليهم، أما العامل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(5) عبد الرحمن الجبرتي: عجائب الآثار في التراجم والأخبار، ج 3 ص 120. وقد نقلنا عن الجبرتي دون تصحيح الأخطاء النحوية.
(6) د. إبراهيم أحمد العدوي: الصراع الفكري بين أجيال العصور الوسطى والعصر الحديث كا صوره الجبرتي، بحث مقدم في ندوة الجبرتي ص 83.