الثورة قد وجهت لها بعض الضربات بشكل قوض دورها داخل فرنسا عن ذي قبل إلا أنها ظلت لها تأثيرها الواسع والفعال على كثيرين من أبناء الشعب الفرنسي، فضلا عن الدور الذي كانت تقوم به في تدعيم النفوذ الفرنسي في المستعمرات وكذلك في الشرق الإسلامي. ومن هنا كانت أهداف الحملة خليطة بين أهداف اقتصادية وتوسعية وسياسية ودينية، أو بالأحرى غزو عسکري وفكري، ولهذا اصطحب نابليون في حملته العسكرية هذا الحشد الهائل من العلماء.
ولا شك أن هؤلاء العلماء كانوا على دراية بطبيعة وأحوال أهل الشرق من خلال ما هو متوافر لديهم من معلومات، وما أمدهم به الرحالة الفرنسيون الذين كثرت رحلاتهم خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، كما كانوا على صلة ببعض العناصر المملوكية في مصر وكذلك بعض العناصر القبطية المسيحية واليهودية فيها، ودرسوا بعناية كافة الجوانب السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية وبادق التفاصيل، ولهذا فإن كافة الجوانب الفكرية التي سعوا لترويجها فترة بقاء الحملة، وحتى بعد رحيلها، كانت مدروسة بعناية شديدة قبل قدوم الحملة ولم تكن مفاجئة (3) ، وحتى اكتشاف حجر رشيد الأثري وفك رموز اللغة الهيروغليفية للمصريين القدماء فإنه إذا كان مفاجأة - وهو أمر ما زال يحتاج إلى بحث - فإن العناية بهذا الحدث والترويج له وما تبعه من فك رموز لغة الفراعنة واستخدامه كان أمرة مدروسة بعناية كذلك، وكان يدور في إطار الأهداف الكلية لهذه الحملة المعلن منها وغير المعلن. ويشير المؤرخ المسلم عبد الرحمن الجبرتي الذي عاصر هذه الحملة إلى هذه الأمور في معرض حديثه عن المعهد العلمي الذي أنشأه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(3) د. محمد أنيس: الدولة العثانية والمشرق العربي ص 11.