فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 454

وَأَمَّا حَدِيثُ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُطِيقُ الْأَذَى وَلَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ حِينَئِذٍ لِلْآمِرِ، وَهَذَا حَقٌّ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الصَّبْرَ، كَذَلِكَ قَالَهُ الْأَئِمَّةُ، كَسُفْيَانَ وَأَحْمَدَ وَالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ وَغَيْرِهِمْ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْإِنْكَارِ بِالْقَلْبِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: نَحْنُ نَرْجُو إِنْ أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ، فَقَدْ سَلِمَ، وَإِنْ أَنْكَرَ بِيَدِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَخَافُ كَمَا صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ فِي وُجُوبِ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَصَحَّ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ قِيلَ لِبَعْضِ السَّلَفِ فِي هَذَا، فَقَالَ: يَكُونُ لَكَ مَعْذِرَةٌ، وَهَذَا كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا عَلَى الْمُعْتَدِينَ فِي السَّبْتِ أَنَّهُمْ قَالُوا لِمَنْ قَالَ لَهُمْ: أَتَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الْأَعْرَافِ: 164] ، وَقَدْ وَرَدَ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى سُقُوطِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَبُولِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، فَفِي"سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ [الْمَائِدَةِ: 105] ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَوَامِّ."

وَفِي"سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ ذَكَرَ الْفِتْنَةَ، فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ النَّاسَ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ، وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ؟ فَقَالَ: الْزَمْ بَيْتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ بِمَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت