مِنْهُمَا وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْأَقَلِّينَ مِنَ الْعُقَلَاءِ وَهُمْ لَا يَسْتَغْنُونَ عَنِ الْوُقُوفِ عَلَى مَا اهْتَدَى إِلَيْهِ مَنْ كَتَبُوا فِي ذَلِكَ مِنْ قَبْلِهِمْ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ مِنْ قَوَاعِدِ هَذَا الْعِلْمِ فَغَفَلَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَنْهُ وَلَمْ يَهْتَدِ إِلَى فِقْهِ بَعْضِهِ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ; إِذْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْعِلْمُ مُدَوَّنًا فِي عَهْدِهِمْ فَيُنَبِّهُهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِنَا هَذَا بَيَانُ كَثِيرٍ مِنْ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ، وَسَنَعْقِدُ لَهُ فَصْلًا حَافِلًا فِي مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ الَّتِي نُبَيِّنُ فِيهَا فِقْهَ الْقُرْآنِ فِي جُمْلَتِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
(8) عِلْمُ السِّيَاسَةِ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هُنَا مُجْمَلًا وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِهِ السِّيَاسَةَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي كَتَبَ فِيهَا ابْنُ تَيْمِيَةَ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا وَلَكِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي عِلْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَحْكَامِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الْعِلْمُ بِحَالِ دُوَلِ الْعَصْرِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْحُقُوقِ وَالْمُعَاهَدَاتِ وَمَا لَهَا مِنْ طُرُقِ الِاسْتِعْمَارِ. فَالْأُمَّةُ الَّتِي تُؤَلِّفُ لِلدَّعْوَةِ فِي بِلَادٍ غَيْرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ الْمُسْتَقِلَّةِ لَا يَتَيَسَّرُ لَهَا ذَلِكَ إِذَا لَمْ تَكُنْ عَارِفَةً بِسِيَاسَةِ حُكُومَةِ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَهَذَا شَيْءٌ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ مِنِ اشْتِرَاطِ مَعْرِفَةِ حَالِ مَنْ تُوَجَّهُ إِلَيْهِمُ الدَّعْوَةُ، وَالسِّيَاسَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَمْ تَكُنْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ.
(9) الْعِلْمُ بِلُغَاتِ الْأُمَمِ الَّتِي تُرَادُ دَعْوَتُهَا، وَقَدْ وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ بِتَعَلُّمِ اللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ لِأَجْلِ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا مُجَاوِرِينَ لَهُ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَدِ اسْتَعْرَبُوا، فَمَا كَانَتْ مَعْرِفَةُ لُغَتِهِمُ الْأَصْلِيَّةِ إِلَّا مَزِيدَ كَمَالٍ فِي الْفَهْمِ عَنْهُمْ وَمَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ شَأْنِهِمْ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي تُؤَلِّفُ لِلدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ يُمْكِنُهَا أَنْ تَسْتَغْنِيَ عَنْ تَعَلُّمِ لُغَاتِ الْأُمَمِ بِالْمُتَرْجِمِينَ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهَا إِنْ ظَفِرَتْ بِالْمُتَرْجِمِ الْأَجْنَبِيِّ الْأَمِينِ لَا يَتَيَسَّرُ لَهَا أَنْ تُفْهِمَهُ مِنْ حَقِيقَةِ الدِّينِ عِنْدَ التَّرْجَمَةِ مَا يَفْهَمُهُ الْعَالِمُ الْمُسْلِمُ، وَإِنَّمَا يُلْجَأُ إِلَى مَثَلِ ذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. أَمَّا إِذَا أَمْكَنَ تَأْلِيفُ جَمْعِيَّةٍ لِلدَّعْوَةِ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْعَارِفِينَ بِاللُّغَاتِ مَنْ يَكْفِيهَا الْحَاجَةَ إِلَى تَرْجَمَةِ الْأَجْنَبِيِّ كَمَا تَفْعَلُ جَمْعِيَّاتُ الدَّعْوَةِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ فَإِنَّ أَفْرَادًا مِنْهَا يَتَعَلَّمُونَ لُغَاتِ جَمِيعِ الْأُمَمِ. وَلَمْ يُبَيِّنِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هَذَا فِي الدَّرْسِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّ إِلَى بَيَانِ كُلِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي تَعْمِيمِهِ وَكَمَالِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ لِتَنْبِيهِ الْأَذْهَانِ وَالتَّرْغِيبِ فِيمَا يَتَيَسَّرُ لِأَهْلِ الْأَزْهَرِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَلَوْ