(وَقَالَ) أَيِ التِّرْمِذِيُّ وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ: (وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَارِبًا مِنْ مَكَّةَ) أَيْ: فَارًّا مِنَ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ هَارِبًا إِلَى عَبْدِ يَالِيلَ بِالطَّائِفِ لِيَحْمِيَهُ مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ حَتَّى يُؤَدِّيَ رِسَالَةَ رَبِّهِ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِ صِبْيَانَهُ فَرَمَوْهُ بِالْأَحْجَارِ حَتَّى أَدْمَوْا كَعْبَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ. وَفِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ أَنَّ خُرُوجَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى الطَّائِفِ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فِي لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ عَشَرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ لِمَا نَالَهُ مِنْ قُرَيْشٍ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ مَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَأَقَامَ بِهِ شَهْرًا يَدْعُو أَشْرَافَ ثَقِيفٍ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يُجِيبُوهُ وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ وَعَبِيدَهُمْ يَسُبُّونَهُ. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: وَرَجَمُوا عَرَاقِيبَهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى اخْتَضَبَتْ نَعْلَاهُ بِالدِّمَاءِ. زَادَ غَيْرُهُ: وَكَانَ إِذَا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ قَعَدَ إِلَى الْأَرْضِ فَيَأْخُذُونَهُ بِعَضُدَيْهِ فَيُقِيمُونَهُ، فَإِذَا مَشَى رَجَمُوهُ وَهُمْ يَضْحَكُونَ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَقِيهِ بِنَفْسِهِ حَتَّى لَقَدْ شُجَّ فِي رَأْسِهِ شِجَاجًا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ:"لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرَائِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَإِنِّي مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ". وَفِي الْقَامُوسِ: هُمَا جَبَلَا مَكَّةَ أَبُو قُبَيْسٍ وَالْأَحْمَرُ أَوْ جَبَلَا مِنًى. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا"وَعَبْدُ يَالِيلَ بِتَحْتَانِيَّةٍ بَعْدَ أَلْفٍ فَلَامٍ مَكْسُورَةٍ فَتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَلَامٍ ابْنُ عَبْدِ كُلَالٍ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ، وَكَانَتْ عَبْدُ يَالِيلَ مِنْ أَكَابِرِ أَهْلِ الطَّائِفِ مِنْ ثَقِيفٍ، وَقَرْنُ الثَّعَالِبِ هُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ نَجْدٍ، وَيُقَالُ لَهُ قَرْنُ الْمَنَازِلِ.