قَوْلُ عَلِيٍّ بِن سُلْطَان مُحَمَّد القَارِّيِّ فِي شَرْحِهِ لِلْحَدِيثِ
"عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَقَدْ أُخِفْتُ"): مَجْهُولٌ مَاضٍ مِنَ الْإِخَافَةِ أَيْ: خُوِّفْتُ ("فِي اللَّهِ") أَيْ: فِي إِظْهَارِ دِينِهِ ("وَمَا يُخَافُ") : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ: مِثْلَ مَا أُخِفْتُ ("أَحَدٌ") أَيْ: غَيْرِي ("وَلَقَدْ أُوذِيتُ") أَيْ: بِالْفِعْلِ بَعْدَ التَّخْوِيفِ بِالْقَوْلِ ("فِي اللَّهِ") أَيْ: فِي سَبِيلِهِ وَطَرِيقِ رِضَاهُ ("وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ") ، أَيْ: خُوِّفْتُ وَحْدِي وَأُوذِيتُ بِانْفِرَادِي، وَفَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ فِي الْجُمْلَتَيْنِ أَنَّ أَمْرَهَا صَعْبٌ فِي تَبَيُّنِكَ الْحَالَتَيْنِ، فَإِنَّ الْبَلِيَّةَ إِذَا عَمَّتْ طَابَتْ، وَخُلَاصَةُ الْمَعْنَى أَنَّهُ حِكَايَةُ حَالٍ لَا شِكَايَةُ بَالٍ بَلْ تَحَدُّثٌ بِالنِّعْمَةِ وَتَوْفِيقٍ بِالصَّبْرِ عَلَى الْمِحْنَةِ إِلَى أَنْ تَنْتَهِيَ إِلَى الْمِنْحَةِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْمَحَبَّةُ وَتَسْلِيَةٌ لِلْأَمَةِ لِإِزَالَةِ مَا قَدْ يُصِيبُهُمْ مِنَ الْغُمَّةِ أَيْ: كُنْتُ وَحِيدًا فِي ابْتِدَاءِ إِظْهَارِي لِلدِّينِ فَخَوَّفَنِي فِي ذَلِكَ وَآذَانِي الْكُفَّارُ الْمَلَاعِينُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ حِينَئِذٍ يُوَافِقُنِي فِي تَحَمُّلِ الْأَذَى إِلَّا مُسَاعَدَةُ الْمَوْلَى وَمُعَاوَنَةُ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي قِلَّةِ الزَّادِ وَعَدَمِ الِاسْتِعْدَادِ بِقَوْلِهِ: ("وَلَقَدْ أَتَتْ") أَيْ: مَضَتْ ("عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ") ، أَيْ: مِنْ بَيْنِ أَوْقَاتٍ وَهِيَ اللَّيْلَةُ وَالْيَوْمُ."
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: تَأْكِيدٌ لِلشُّمُولِ أَيْ: ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَيْلَةً مُتَوَاتِرَاتٍ لَا يَنْقُصُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنَ الزَّمَانِ ("وَمَا لِي") أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ لِي ("وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ") : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَفِي الْقَامُوسِ: بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَكَكَتِفٍ مَعْلُومٌ أَيْ: حَيَوَانٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: مَا مَعَنَا طَعَامٌ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَأْكُلُ الدَّوَابُّ أَوِ الْإِنْسَانُ ("إِلَّا شَيْءٌ") أَيْ: قَلِيلٌ ("يُوَارِيهِ") أَيْ: يَسْتُرُهُ وَيُغَطِّيهِ ("إِبْطُ بِلَالٍ") . بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَتُكْسَرُ فَفِي الصِّحَاحِ: الْإِبْطُ بِسُكُونِ الْبَاءِ مَا تَحْتَ الْجَنَاحِ وَفِي الْقَامُوسِ: الْإِبْطُ مَا تَحْتَ الْمَنْكِبِ وَتُكْسَرُ الْبَاءُ، وَقَدْ يُؤَنَّثُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ بِلَالًا كَانَ رَفِيقِي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَمَا كَانَ لَنَا مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا شَيْءٌ قَلِيلٌ بِقَدْرِ مَا يَأْخُذُهُ بِلَالٌ تَحْتَ إِبْطِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا ظَرْفٌ نَضَعُ الطَّعَامَ فِيهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ بِتَقْدِيمٍ لَقَدْ أُوذِيتُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْهُ.