تحصل لها هيئة بسبب فعل من الأفعال، ويقال لتلك الهيئة كيفية نفسانية، وتسمى حالة ما دامت سريعة الزوال؛ فإذا تكررت ومارستها النفس حتى رسخت تلك الكيفية فيها وصارت بطيئة الزوال، فتصير ملكة. وبالقياس إلى ذلك الفعل عادة وخلقا" [1] ."
ويعني هذا أن الملكة حالة مستمرة وبطيئة راسخة في نفس الإنسان، وتنبني على أفعال مكررة إلى أن تتحول الملكة إلى عادة وخلق وصناعة.
ويربط إخوان الصفا الملكة بالعادة والمهارة:"... واعلم أن العادات الجارية بالمداومة عليها تقوي الأخلاق الشاكلة لها، كما أن النظر في العلوم والمداومة على البحث عنها والدرس لها، والمذاكرة فيها يقوي الحذق بها والرسوخ فيها، وهكذا المداومة على استعمال الصنائع والتدرب فيها يقوي الحذق بها والأستاذية فيها ..." [2]
وتعني الملكات لدى إخوان الصفا الحذق والمهارة والرسوخ في الشيء، والمداومة والدربة والمران والتكرار. ويعني هذا أن الملكات مقترنة بالجودة والإتقان والمهارة والإدراك الجيد للأشياء والصنائع. ويضاف إلى ذلك أن من أهم خطوات التعلم الحفظ، والمحاكاة، والتكرار، والتجريب، والدربة، والإكثار من التمارين. وفي هذا الصدد، يقول ابن خلدون:"اعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها، وليس ذلك بالنظر إلى المفردات، وإنما هو بالنظر إلى التراكيب، فإذا حصلت الملكة التامة في تركيب الألفاظ المفردة للتعبير بها عن المعاني المقصودة ومراعاة التأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال بلغ المتكلم حينئذ الغاية من إفادة مقصوده للسامع، وهذا هو معنى البلاغة، والملكات لاتحصل إلا بتكرار الأفعال؛ لأن الفعل يقع أولا وتعود منه للذات صفة، ثم تتكرر فتكون حالا،"
(1) - الشريف الجرجاني: كتاب التعريفات، الدار التونسية للنشر، تونس،1971 م.
(2) - إخوان الصفا: رسائل إخوان الصفا، دار بيروت، لبنان، 1983 م.