وقد استفادت هذه النظرية من فلسفات الوعي في القرن السابع عشر الميلادي، مع تمثل منهج الملاحظة والتجريب العلمي في القرن التاسع عشر. ومن ثم، تركز النظرية على الشكل الذي يسمح لنا بإدراك الأشياء الجزئية الأخرى. فالوعي يقوم بإدراك الكل ثم الأجزاء. ومن ثم الكل أسمى من الجزء.
وإذا كانت السلوكية تعنى بخلق وضعيات بيئية تحفيزية أمام الفرد للتفاعل معها، فإن الجشطلتية تركز على كيفية معالجة الوعي للمعلومات. ومن هنا، تؤمن الجشطلتية أن الإنسان أو الحيوان يتعلم بالاستبطار والإدراك معا. ويعني الاستبصار إدراك المجال الإدراكي بسهولة، وتبين مختلف الحلول لمعالجة الموقف. بمعنى أن الاستبصار هو نوع من النشاط الذكائي الذهني المتوقد الذي يدفع المتعلم إلى فهم عناصر الوضعية وتفهمها بشكل جيد. وبعد تأمل عميق لمختلف عناصر الموقف أو الوضعية، يتوصل المتعلم، بشكل فجائي وسريع، إلى الحل المناسب. وللتمثيل، إذا أعطيت للإنسان مجموعة من المفاتيح لفتح باب مغلق، فإنه لن يفتح الباب بشكل عشوائي إلا إذا كان مغمض العينين، أما إذا حررنا حواسه من كل عائق، فإنه سيلاحظ القفل، وينظم مجاله الإدراكي، ثم يتثبت من شكل القفل وصورته وهيئته، ثم يبحث عن طبيعة المفتاح الذي يتشابه مع القفل، ثم يدخل المفتاح المنتقى في ذلك القفل. آنذاك، تتحقق النتيجة اليقينية بفتح الباب على مصراعيه. ويعني هذا أن الاستبصار هو تعلم ناتج عن عملية ذكائية محكمة للمجال الإدراكي الكلي، بتنظيم عناصره، وإدراك جزئياته. وفي هذا الصدد، أجرى كوهلر تجارب عدة على الحيوان، ولاسيما فئة القردة من الشامبانزي، لبناء نظريته الجشطلتية، فقد تصل إلى أن الحيوان يتعلم بالاستبصار والإدراك كالإنسان.
أما الإدراك، فهو عبارة عن عملية تأويل لمختلف بنيات النسق الكلي، أو هو انتقال من مرحلة المحسوس إلى مرحلة التجريد والتعميم وبناء القوانين والنظريات، واستنتاج القواعد الكلية. ويعتمد