بفهم العلاقة بين المخدرات والإدمان، نستطيع معرفة الأسباب التي أدت بالمدمن إلى الوصول إلى تلك الحالة النفسية المتشنجة، لأن لكل شيء بداية ومنطلقا، وما الإدمان إلا نتيجة التعاطي، فهو لا يمس شريحة معينة من المجتمع، وإنما قد يقع فيه كلّ أحد، وهذا ما لا بد من الاِنتباه إليه، فالعوامل التي تحيط بمدمنٍ ما، قد لا تكون هي نفسها التي تحيط بآخر، فبينما الأول اِندفع في التعاطي والإدمان نتيجة الفقر وسوء الحالة الاِجتماعية، قد نجد الثاني يعيش في بحبوحة وثراء، ولكن يجمعهما مسمى (المدمن) ، وكل منهما يبحث عن السعادة المفقودة التي يتصورانها في المخدرات والمنشطات والمهلوسات؛ وعلى العموم فنستطيع أن نذكر على حَسَب الواقع الأسباب التي أدت إلى الوقوع في هذا المرض وهي:
1_ البعد عن الدين.
وهو أوّل الدّوافع التي لا بدّ لنا أن نقف معها وقفة تأمّل، فالبعد عن الدّين بعدٌ عن القوّة الرّوحيّة التي تمدّ القلب وتشرح الصدر، فالدين هو الرّادع المانع لفعل ما يجلب الضّرر بالمرء لأنه يخشى عقوبة الله تعالى عليه، والفراغ الإيماني من أكبر العوامل التي تدفع النّاس إلى الهلاك واقترافِ ما لا يحبّه الله ويرضاه، والقلب متى ملئ بذكر الله تعالى اطمأنّ، فتسكن الجوارح بسكون القلب، قال سبحانه {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28 (، والمؤمن الذي يعتقد أنّ الله تعالى يراه ويعلم سرّه وخافيته، وأنّ الجسد التي فيها روحه ما هو إلا وديعة سرعان ما ستردّ إلى صاحبها ليحاسَب عليها فيما عمل بها، لا يفكّر أبدا في الاِلتجاء إلى المخدّرات ولا إلى المحرّمات بصورة عامّة، حتّى يبحث عن سعادةٍ مزيّفة تجرّ وراءها الآلام والأحزان حسّا ومعنى، قال تعالى {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء: 29) . وقد نسي هؤلاء أن أكبر المنن وأجمعها لمن عقلها وعرف قدرها منّة الاستقامة على طاعة الله تعالى بفعل ما أمر وترك ما نهى عنه وزجر، فهي الحياة السّعيدة التي يبحث عنها الكثير، ولكنّهم ظنّوها في اللهو واللعب، أو في جمع المال وتتبع الشّهوات، وكلٌّ مهما طالت به المدّة في غَيِّه وغفلته لن يدرك حقيقة السّعادة وانشراح الصدر وطمأنينة النّفس إلا بالاستقامة على أمر الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} (فصلت: 30 - 32) والنّعم لا تدرك ولا يعرف قدرها إلا بعد فواتها، فيندم المنعَمُ بها سابقا عليها أشدّ النّدم، ويلحّ على ربّه فيها، فإن صدق مع الله تعالى وأناب وَفَاء، َ فإنّ الله غفور رحيم، وإن اختار سبيل الغواية والضلال، وقدّم الفسق على طاعة الرّحمن فإنّ الله تعالى {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} (الرعد: 27) .