فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 121

من السّرح الأسري، يبدأ علاج المدمن، ولكنّ أكبر العلاج هو الوقاية حيث قد ذكرنا فيما مضى دور الأسرة في الحفاظ على أفرادها، وبقدر تكامل الأسرة واتّحادِها يكون التلاحم في الظاهر والباطن، ولهذا يختار ربّ الأسرة الطُّرق الناجعة والأساليب النافعة التي تحدو بأسرته نحو التراحم والتعاطف، فتنشأ الأسرة على قيمٍ وأخلاقٍ طيّبة، تكون أبعد شيء عن محيط المخدّرات والإدمان، وبقدر اختلال هذه الأسس يبدأ الخرم الأسري وميل أفرادها إلى ما لا يعرفونه، حتّى يدخل عليهم المخدّر من أبواب كثيرة لم يحسبوا لها حسابها، وحسن التعامل مع المدمن هو الخطوة الأولى التي لا بدّ من ترسيخ مبادئها وبيان أساليبها.

فعلاج المدمن هو اجتماعٌ لجهودٍ متكاثفة تُشعِر المريض بأنه ليس بمفرده وأنّ معه أناسًا خلفه وأمامه ومعه يدفعونه إلى التخلّص من هذا المأزق، ويأخذونه إلى العلاج، ويقفون معه مساندين له في كل مراحل تطوّر صحته إلى البرء، ولا شكّ أنّ أعظم من يكون إلى جانب المتعاطي هم أسرته التي تجمعه بهم صلة الرحم والقرابة، أو وصال الزوجية أو الأخوة، وأعظمها كلها صلة الأبوّة والأمومة التي هي أنجع الطرق النفسية للمريض.

فعلاج المدمن ليس في توقفه عن التعاطي هذه خدعة كبيرة، لأنّ التوقف عن التعاطي هو الخطوة الأولى فقط، أمّا العلاج الحقيقي هو في أن يستمرّ عن التوقّف ولا يكون ذلك إلا بعلاج الأسباب الأصلية التي أدت إلى التعاطي.

والمعالج الحقيقي للمدمن ليس هو الطبيب بل هو إنسان قريب منه يحبه، زوج، زوجة، أخت، صديق، حبيب .. لأنّ أعظم دواء لشفاء الإدمان هو الحب الحقيقي لهذا الإنسان لأنه عزيز علينا، كلّ ذلك بعد معونة الله جلّ في علاه وتوفيقه.

ودفع المريض إلى العلاج والأخذ بيده لا يعني كشفه أمام نفسه أو الإنتصار عليه وتجريحه ولكن تفهيمه بأنّه لا بد عليه أن يتّخذ قرار العلاج والتغيير في إطار نفسيّ وطبيٍّ ويفهم أنّ القرار العلاجي الخاص به لابدّ له من أسباب يفكّر فيها و يحوّلها إلى فعلٍ مُستمِر وينتبه لأسباب انتكاسته فيتجنبها ولا يهرب إليها.

والأسرة لها دور كبير في متابعة وتقوية ودعم دافعية المريض خلال رحلة العلاج، وبالتعاون مع الطبيب المعالج والفريق العلاجي تبدأ ثمراتُ الشفاء بالبروز شيئا فشيئا، فبَعْدَ الإرادة الشخصية ليس هناك دواء ناجع كالدعم الأسري، هذا لكل مريضٍ يعاني، والمدمن الذي مرضه نفسي وعضوي أولى بهذه الرعاية من كل أحد.

ولفهم هذه النقاط ارتكز المبحث على ثلاثة مطالب وهي:

المطلب الأول: الأخذ بيد المدمن إلى العلاج الطبي والنفسي معا

إنّ النزاع بين العلاج الطبي والنفسي لا يعتبر نزاعا صوريا في حقيقة الأمر، لأنهما يتضاربان أحيانا، ويصل الأمر بكلا المدافعين عنهما إلى إنكار ما للآخر من فعّاليّة في مجال العلاج.

والجهود المبذولة في كلّ من الميدانين لا يُستهانُ بها، فقد عرَف الطبّ الحديث توسّعا كبيرا سواء في مجال اكتشاف الأمراض وإيجاد أدويتها أو في مجال إظهار نقصِ أو خلل القواعد والنظرّيات التي كانت تُعرف من قبل، إلى جانب انتشار واسع لمراكز العلاج والمستشفيات المزوّدة بأحدث آلات الطبّ الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت