فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 121

المبحث الأوّل: مفهوم التعامل في الإسلام ومظاهره في الأسرة والمجتمع

المطلب الأوّل: مفهوم التعامل في الإسلام

إنّ التعامل مع الخلْق فنّ من فنون الحياة، لأنّ الله تعالى خلق النّاس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا، قال تعالى {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13 (فكان الرابط بينهم هو مبدأ التعامل، وبقدر حسن الرابط ومرونته يكون التوافق والتآلف حليف المجتمعات، ولهذا امتنّ الله تعالى على المسلمين بأن جعلهم خير أمّة أخرجت للناس، لأنّهم حقّقوا رابط التقوى في تعاملهم مع الخلق أجمعين.

و (تتجلّى عظمة الإسلام وشموليّته وعالميّته في جوانب كثيرة من التشريعات، منها جانب تنظيم العلاقات، سواء في علاقة المسلمين بربّهم، أو علاقة بعضهم ببعض، أو علاقتهم بالآخرين ممّن لم يعتنقوا دينهم على أيّ وجه كان، وصدق الله القائل {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 89) ، وقد جاء تنظيم العلاقة مع الآخرين في منتهى الروعة والكمال والجلال، في كافّة شؤون الحياة، وفي مختلف الظروف والأحوال، سواء في حال الحرب، أو في حال السلم وسواء كانوا أهل ذمّة أو مستأمنين أو معاهدين أو حربيّين أو مرتدّين، نظمها تنظيما دقيقا مراعيا فيه تحقيق المصالح والعدل وحفظ حقّ الدين والإنسان، ومن أُتي في شيء من هذا الباب، فإنما أُتي لعدم تنزيله النصوص على الأشخاص أو الأحوال على وجهٍ صحيح.) [1]

ولا ريب أنّنا لو تأمّلنا حقيقة التعامل في كلّ شيء، وجدنا أنّ المسلم لا يتعامل إلا مع ربِّه جلّ في علاه، وهي حقيقة التعامل في الإسلام، لأنّ الصورة الظاهرة للفعل تختلف عن حقيقة المقصد عند من لا يفهم مقاصد الدين، وإلا فالعارف بالله يفقه حقيقة ما يفعله، وأنّ حسن صنيعه أو سوءه إنما أجره أو وباله عليه، فهو في آخر الأمر لا ينفع ولا يضرّ إلا نفسه.

وفي صحيح مسلم [2] من حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة: عبدي استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا ربّ كيف أطعمك وأنت ربّ العالمين؟ قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطمعه أما لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؛ عبدي استسقيتك فلم تسقني، قال: يا ربّ كيف أسقيك وأنت ربّ العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي؛ عبدي مرضت فلم تعدني، قال: يا ربّ كيف أعودك وأنت ربّ العالمين؟ قال: مرض عبدي فلان فلم تعده أما لو عدته لوجدتني عنده".

(1) التعامل مع غير المسلمين في السنة النبوية (28_29) .

(2) برقم (6648) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت