فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 121

برجل قد شرب، فقال:"اضْرِبُوهُ"؛ فقال أبو هريرة: فمِنَّا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلمَّا انصرف قال بعض القوم: أخزاكَ الله، قال:"لا تَقُولُوا هَكَذَا لا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ" [1]

وبهذا نفهم ترابط الشرع والعقل في بيان المسكر منذ الصدر الأول للإسلام، لا سيّما وقد اطلعنا على نماذج كثيرة من الممتنعين عن تعاطيها زمن الجاهلية وقوفا على ضررها وسوء عواقبها، فالحُسن والقُبح يكمنان في أشياء كثيرة، لا يجرأ العقل السليم على تحسين القبيح ولا تقبيح الحسن، ولهذا كان العقل والشرع في هذه المسألة مترابطان بحيث يظهر العقل المزية الدنيوية ويجمع الشرع بين الدنيوية والأخروية معا.

ونفهم أنّ مشكلة التخلّص على العادة أمرٌ مقدورٌ عليه، لا كما يقول أهل التثبيط والتخذيل بأنها طباع مكمونة في النفس، لا تزول إلا بخروج الروح من الجسد، وهذا من جهة أن النظرة التطبيقية تخالفه فهو في نفس الوقت زرعٌ لهاجس الخوف من هذا المرض.

ومن هذا المنطلق نستطيع أن نضع نقاطا لإخراج المدمن من دائرة الإدمان اتباعا لما كان عليه الصدر الأول من الإسلام ويمكننا أن نلخصها في أربع نقاط وهي:

_ ملء القلب بالأسس الإيمانية التي تجعل المتعاطي يدفع الإدمان بُغية ما عند الله تعالى والدار الآخرة.

_ بيان ضررها على العقل والخُلق والجسم، مما قد تستنير به بعض العقول التي لا تزال تعرف المعروف وتنكر المنكر.

_ التدرج في إزالة المسكر شيئا فشيئا، خاصة إذا كان من السموم المستحكمة كالهيروين والكوكايين وغيرها، حتى يتسنى للمتعاطي نفسيا أن يتجهّز.

_ عدم المؤاخذة في أول وهلة، فقد يقع المتعاطي في السكر مرّة ثانية فلا بد أن نبقيه دائما مربوطا بعامل الإرادة والدين.

النقطة الثانية: العلاقة بين المروّج والمهرّب والمتعاطي

ومع التمدّن والصّخب العلميّ، وتقارب الحدود بين المجتمعات، واختلاط الأجناس بعضها ببعض، ظهرت أنواع جديدة من المسكرات على شكل أدوية وموادّ طبيعيّة، صارت فعاليّتها في التّخدير أكثر من الخمر بعشرات الأضعاف، واستطاع هذا الوباء بفضل عوامل تاريخية وسياسيّة أن يصل إلى ديار المسلمين بأسرع ما يكون، عن طريق الاستعمار الذي أدخله بصورة غير مباشرة، لأنّه لا يزال الخمر حراما في نظر المسلمين، وأنّ متعاطيه يستحقّ العقوبة المترتّبة عليه، فلجأ المستعمر إلى استخدام المهلوسات والمخدّرات ليفتّ في عضد الشّعوب، ويقتل مواهبها، ويقضي على نشاطها.

(1) أخرجه البخاري (6395) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت