فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 121

المطلب الثاني: مظاهر التعامل في الإسلام:

أما حسن التعامل فقد جاءت النصوص الشرعيّة عامرة بهذا المفهوم الأصيل، وما ذاك إلاّ لأنّ الله تعالى منّ على المسلمين بإكمال الدين وإتمام نعمته عليهم كما قال تعالى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة: 3) ، ومهما أراد المرء أن يبحث في سِيَر الرجال ويتقفَّر أخبار الحضارات والأمم، فلن يجد المثال السامي لمعنى التعامل إلا عند نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإخوانه من الأنبياء والمرسلين عملا بما جاؤوا به من عند الله تعالى، لأنّ التربية الربانيّة لأوليائه تهدي إلى أكمل الأخلاق وأحسن التعاملات والتصرّفات، ولو عددنا أبواب الدين كلّيّة لرأينا مبدأ حسن التعامل لا يُعرف في أمّة مثل أمة الإسلام من جميع الوجوه وعلى مختلف الجوانب والميادين، وهذا هو الاعجاز الحقّ الذي لا نظير له.

بل إنّ حسن التعامل والإتيان به على صورته الشرعيّة يتعدّى في دين الإسلام إلى ما لا يراه المسلمون كالملائكة والجنّ والغائب والميّت ومن سلف ومضى من أهل الصلاح.

فأمّا ما يخصّ الملائكة فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنّه قال:"من أكل من هذه البقلة الثوم وقال مرّة من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربنّ مسجدنا فإنّ الملائكة تتأذى ممّا يتأذّى منه بنو آدم." [1] ، فكان ما يؤذي المسلمين من الروائح الكريهة أذيّة للملائكة أيضا، كالثوم والبصل والكراث ونحوها، وهذا من حسن معاملته عليه الصلاة والسلام للملائكة.

وأمّا ما يخصّ الجنّ فقد سأل علقمةُ بن الأسود عبدَ الله بن مسعود رضي الله عنه هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ؟ قال: لا، ولكنّا كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، قال: فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، فلمّا أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجنّ فذهبت معه فقرأتُ عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكلّ بعرة علف لدوابكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تستنجوا بهما فإنّهما طعام إخوانكم." [2] فنهيه عليه الصلاة والسلام عن الاستنجاء بالعظم ورجيع الدواب من حسن معاملة الاسلام للجنّ."

وأمّا صورة المعاملة مع الغائب فهو في نهيه عليه الصلاة والسلام عن الغيبة، كقوله عليه الصلاة والسلام:"أتدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره، قيل: فرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته." [3] ، ومع الميّت كقول ابن عباس رضي الله عنه لما شهد

(1) أخرجه مسلم (564) من حديث جابر بن عبد الله.

(2) أخرجه مسلم (450) من حديث عبد الله بن مسعود.

(3) أخرجه مسلم (2589) من حديث أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت