فمن تعامل مع الجائع فأطعمه وأشبعه، فهو يتعامل مع الله تعالى، ومن تعامل مع العطشان فسقاه حتى ارتوى فهو يتعامل مع الله تعالى، ومن عاد المريض وواساه في مرضه فهو يتعامل مع الله جلّ في علاه، فأوّل ما تقوم عليه قاعدة التعامل في الإسلام هي مراقبة الله في كلّ شيء.
وقد بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أقسام التعامل في الإسلام فقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر:"اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ." [1]
فاشتمل الحديث على ثلاث قواعد في التعامل وهي:
1 -القاعدة الأولى في التعامل مع الله عز وجل: وأُسّها ولبابها تقواه جلّ في علاه، وهي أن يتخذ العبد بينه وبين الله وقاية بامتثال خطابه سبحانه.
2_ القاعدة الثانية في التعامل مع النفس: وهي أن لا تتركها تغرق في المعصية، فكلّما أخطأت أتبعت الخطأ بالحسنة فيمحها الله، صيانة للنفس وحفاظا عليها لقوله تعالى {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (هود: 114) .
3_ القاعدة الثالثة في التعامل مع الخلق: وجعْل ذلك مبنيّا على الخُلق الحسن، وهو معاملة الناس بقصد الإحسان إليهم، وهذا يعود لأصل التعامل مع الله جل في علاه في كلّ شيء، فالإحسان للخلق هو معنى التعامل الإسلامي لأنّ الله تعالى يراك، وأنت تعبده كأنّه يراك.
فمعاملة الله أن تمتثل أمره وتنتهي عن نهيه، ومع النفس أن تجنِّبها ما يغضب الله وتقودها إلى ما يرضاه، ومع الخلق أن تحسن إليهم وتنتهي عمّا يؤذيهم، لأنّ التعامل معهم هو تعامل مع الله في حقيقته.
ولن يعرف المرء هذه القواعد الذهبيّة إلا بالرجوع إلى النصوص الشرعيّة التي تنوّر للسالك في هذه الحياة دربه، وتبيّن له عواقبَ أفعاله، ولا يستغني أيُّ أحدٍ عن الله تعالى، لا في دفع الشبهات، ولا في ردّ الشهوات، لأنّ الله تعالى هو من يحفظُ عبده وهو حسبه ونعم الوكيل؛ وما قامت حقيقة الدنيا إلا على قوله تعالى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5) فنعبُد الله تعالى، ونستعينه في جميع شؤوننا.
وبقدر مجاهدة النفس وحملها على العبادة والاستعانة بالله جلّ في علاه بقدر ما يكون توفيق الله تعالى لعبده أكثر مصداقا لقوله سبحانه {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت: 69) .
(1) أخرجه أحمد (20847) و (20894) و (21026) والترمذي (1987) ، والدارمي (2791) وقال الترمذي: هذا حديثٌ حسن صحيح انظر صحيح الجامع (97) .