فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 121

وأمّا المتعاطي (المستهلك) فهو وإن شارك المنتج في الإثم، إلا أنّه ضحيّة مرضٍ، لزم علينا أن ننظر إليه نظرة إصلاحٍ وعلاج، فهو للتّوبة أقرب منه من المنتج، ولا شك أنّ الفارق الكبير بينهما هو الذي يغيّر صورة النّظرة لكلّ قسم، فالمتعاطي للمخدّرات يستهلكها لسبب حسّيّ أو معنويّ حتّى تصبح فيه عادة يعسر عليه تركها، لأنّه يرى أنّ الرّاحة والسّعادة في فعلها، وهو بذلك يقتل نفسه ببطء ويجلب الضرر على من حوله بدءًا بأسرته ثمّ محيطه ثمّ مجتمعه.

وحسم حياته بالعقوبة ليس حلاّ، لأنّ المدمن كالمريض تماما، يحتاج إلى رعاية والأخذ بيده إلى ما لا يراه من أسباب العافية، وفي صلاحه وإعادة تأهيله في مجتمعه قوّة كبيرة له ولغيره من المرضى، الذين ينتظرون بصيص النّجدة بكلّ أمل، وهذا ما سنحاول عرضه بشكل مبسّط في آخر مبحث.

وأمّا عن العلاقة بين المنتج والمستهلك، فهي تلك الأسباب والدّوافع التي تركت المدمن يسقط بين أحضان المروّجين وسلعهم، ويصبح بذلك عبد المخدّر، يرتكب كلّ جريمة للحصول عليه، فتصبح العقوبة فيه غير رادعة، لأنّ دافع اللّهفة أقوى عنده من كلّ شيء، إلى جانب المهرّبين الذين يسهّلون وصول هذه السموم إلى أيدي النّاس وينقلونها من قُطر إلى آخر، جنيا للمال وهتكا للعباد والبلاد، فدراسة الأسباب ومعرفة الدّوافع وطرق الوقاية منها قبل وقوع المرض، وطرق معالجتها بعد وقوعها، هو المانع بين المنتج والمستهلك.

ولا شكّ أنّ هذه الأشياء لا تخصّ المنتج وحده ولا المستهلك وحده، وإنّما هي مصير أمم بأكملها، لا سيّما والدوافع لهذه الأشياء متنوّعة، تأخذ في كثير من الأحيان طابعا حربيّا، تقوم خلفها مصالح أناسٍ معروفين على الساحات العالميّة، بل هي خِططٌ محكمة لكسر العالم بأكمله وإغراقه في مثل هذه الأوحال التي لا ينجو منها إلا القليل.

ومهما حاولنا قمع العلاقة بين المنتج والمستهلك إلاّ أنّ هناك أيدٍ خفيّة تضرب بكل قِواها وتشتري ذمم رجال الدولة وكبار أعلامها، حتّى تيسّر وتوسّع نشاط ونطاق تهريب المخدّرات.

وإن لم يقف ضدّ هذا الزحف الرهيب رجالٌ مخلصون لدينهم ووطنهم وشعبهم، فإنّ الكلام والتخطيط وعقد المؤتمرات لن يجديَ نفعا ما دام المرض مؤصّلا بجذور قويّة.

وسنحاول _ بإذن الله تعالى _ أيضا أن نفهم المنطلق الصّحيح لبناء الأسرة التي منها سيظهر هذا المدمن لا محالة إن اختلّت طرق التّعامل الصّحيح، ونرى دور كل فرد منها، ونفهم الأسباب والدّوافع، ونتعرّض للمخدّرات ومظاهرها ومضارّها على النّفس والمجتمع، وكيف يصبح الانسان العادي مُدمنا يبيع كرامته من أجل جرعة، وكيف لنا أن نأخذ بيده إلى طريق العلاج بتظافر الأسباب وتكاتل القوى؛ لنطرح في الآخر النّتائج والحلول راجين أن تكون موفية للمقصود، كاشفة ولو بالقليل عن خطر الإدمان على الفرد والمجتمع وكيفية علاجه انطلاقا من أسرة المدمن.

النقطة الثالثة: الأمراض بين الجانب الشرعي والجانب الطبي النفسي

إن النظرة الشرعية للحياة تلزمنا أن نتعامل مع كلّ ما نواجهه على وفق ما رسمه شرعنا الإسلامي، ولا شكّ أنّ الحقائق العلميّة هي جزء من هذا النّظر، لأنّ الشّرع لا يحارب منطلق البحث والتعلَّم، ولكنّه يرسي معالمه على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت