أسس وأدلّة، حتّى ينسجم الجانب العلمي مع الجانب الشرعي، وفيما يصاب به المرضى من الابتلاء فإنّ الشرع لم يهمل الجانب الطبّي، بل إنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام انتدب المسلمين إلى التداوي فقال عليه الصلاة والسلام:"تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلاَّ وَقَدْ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً إِلاَّ الْهَرَمَ." [1] .
ولكنّ المرض أحيانا يتفاقم نتيجة سوء التداوي، وهو ما يتطلّبه مدمن المخدّرات من الجوانب الرّوحية والجسديّة حتّى يتعافى بدنه وتصفُوَ روحه ممّا عَلِقت بها من العادة السّيّئة، وحياة القلوب والأجسام هي الحيوان التي يسعى إليها كل مخلوق، ولكن بقدر نقصان الاطمئنان الروحي تنقص راحة الجسم ولو أُوتي صاحبه كلَّ ما في الدنيا؛ وإهمال الجانب الشرعي في مسألة التداوي هو الخطر الكبير الذي يهدّد مجتمعنا الإسلاميّ، بحيث يقلِّلُ المفتونون بالحضارة الغربيّة من شأن العلاج الشرعي ويمجّدون الأبحاث والتحاليل التي هي من زبد أفكار البشر مع أنّها تحتمل الخطأ كما تحتمل الصواب، ومع ذلك فهم لا ينصاعون للجانب الشرعي إلاّ بعدما يُقرّ به أسيادُهم ويدلِّلون عليه، وفي هذا مضيعة للجهد والوقت اللّذان هما لبّ القوّة المعالجة في جميع الأمراض.
ومما نلاحظه عند استقلاليّة العلاج الطبي النفسي عن العلاج الشرعي عوارض كثيرة منها:
1_ زيادة المريض في حالته النفسيّة وبروز المرض في شكلٍ وقالبٍ آخر، خاصّة ما يفعله بعض الأطبّاء من إغراق المريض في المهدّئات والمسكّنات التي تزيد الدّاء داءً، وهي لا تعين المريض على التخلّص ممّا يؤلمه ويؤذيه، بل هي تخمد ناره وثورانه، كالقدر الذي يَغلي فيغطّى حتّى لا يُرى غيلانه، وهذا ما يجعله يهيج إن فقد هذه الأدوية أو نسي تناولها.
2_ اتّجاه المرضى إلى فعل ما يخالف شرع الله تعالى بدعوى التّرويح النّفسي والانفتاح على العالم الخارجي حتّى يقدِر المريض على مواكبة مجتمعه، فترى الطبيبَ يحثّه على التّدخين وسماع الأغاني والخروج مع النّساء ومبادلة الكلام معهنّ، وارتياد الأماكن (الثّقافيّة) التي تجعله كبقيّة النّاس، كدُورِ السينما والملاهي الليليَة والحفلات وغير ذلك، ومن الأطبّاء من لا يؤمن أصلا بالحالات الروحيّة التي لا علاقة لها بالمادّة الخارجيّة، فيكون هذا عونا للمريض على هلاكه، وكل هذا من نقص ثقافة الطبيب وبعده عن المشرب الشرعي.
3_ نقص الوازع الديني في كثير من الأطبَّاء واستغلالهم للمريض، وهذا إلى جانب الخيانة الشَرعيَة فهي خيانة اجتماعيَة، لأنّ دور الطبيب هو محاولة انقاذ المريض ممّا هو فيه لا جعله ساحة استغلال، وسلعة مهينة، فالنّظرة الماديّة للأشياء تفقد روح العمل عند هؤلاء الأطبّاء الذين لا همّ لهم إلاّ ملء جيوبهم بالمال، بيد أنّ المريض يؤمن أنّ الطبيب هو السبب، ولهذا لا يخالف أمره ولو طلب منه أن ينزع ثيابه أو يفتح بطنه فإنّه يستجيب.
4_ عدم التكامل الحقيقي لمفهوم العلاج بين النّفس والجسد، فتتحسّن حالة المريض نسبيّا ولكن ما إن يجد الدافعَ أو يحلّ الموجِب للمرض إلا وتراه يعود أشدّ مما كان عليه في الأوّل، بخلاف الجمع بين العلاجين فإنّه يظهر الأثر
(1) أخرجه أحمد (18644) و (18645) و (18646) و (18647) والبخارِي في (الأدب المفرد) (291) وأبو داود (3855) وابن ماجه (3436) والترمذي (2038) والنسائي في الكبرى في (5844) و (5850) و (7511) و (7512) وانظر صحيح الجامع (2930) .