إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله صلّى الله عليه وسلّم أمّا بعد:
لقد خلق الله تعالى الخلق لغاية حميدة ومهمّة مجيدة ألا وهي توحيده ونفي الشّريك عنه جلّ في علاه كما قال تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات:56) ، فأرسل الله الرّسل بالبيّنات والحجج، وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم النّاس بالقسط، فكانت دعوتهم صلوات الله عليهم أجمعين جامعة بين المنقول والمعقول، داعية إلى كلّ فضيلة، محذرّة من كلّ خصلة رذيلة تحيف بالعبد عن حقيقة المهمّة التي وجد لغايتها.
ومن تأمّل شريعة الإسلام وما أتت به من الأحكام في مختلف الأبواب، يقف على سماحتها واعتنائها بجلب المصالح ودفع المفاسد، فأحكامها ميسّرة على المكلّفين، لا حرج فيها بل هي سمحة سهلة كما قال تعالى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج: 78) ، قال العزّ بن عبد السلام:"والشّريعة كلّها مصالح إما تَدرَأ مفاسد أو تجلب مصالح، فإذا سمعت الله يقول {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فتأمّل وصيّته بعد ندائه، فلا تجد إلاّ خيرا يحثّك عليه أو شرّا يزجرك عنه، أو جمعا بين الحثّ والزجر." [1]
ومن أبرز ما راعت الشّريعة نظرا وتأصيلا، مقاصدها الخمسة التي تقوم عليها أساسيّات الدّين والدّنيا، إذ أنّ هذه الكليّات هي أسس استقامة الأفراد والمجتمعات، تسوسهم بزمام عقليّ لا يختلف في أصالتها أحدٌ ممّا جاءت الشّريعة بحفظها من كلّ ما ينقصها أو يذهب بها، وهي: حفظ الدّين والعقل والنّفس والنّسل والمال؛ وكلّ من هذه الخمس مرتبطة ببعضها البعض ارتباط تكامل وتوافق، والكلام فيها من حيث الاِجمال أمر قد شيّد له علم بذاته وجمعت له مؤلّفات قديمة ومعاصرة تحت عنوان: مقاصد الشّريعة الإسلاميّة. [2]
وبالنّظر إلى مقصد العقل يقف المتأمّل على أسرار الشّريعة في هذه النّعمة التي ميّز الله تعالى بها المكلّفين عن غيرهم من الخلق كما قال تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (الإسراء: 70) ، روي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّ التّكريم بالعقل [3] ، وهذا من باب المنّة في بيان بعض الآلاء التي أسداها الله تعالى على البشر، فزيّنهم بالعقل وشرّفهم بالتّكليف وأكرمهم بالرّسالة واستعمرهم في الأرض، فمن لم يحافظ على نِعَم الله تعالى كان خائنا لها مضيّعا لشكرها كافرا بها.
(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (14) .
(2) وقد ألفت في ذلك كتب كثيرة منها على سبيل المثال: الموافقات للإمام الشاطبي، وكتاب مقاصد الشريعة للشيخ الطاهر ابن عاشور وكتاب مقاصد الشريعة للدكتور نور الدين خادمي وكتاب الفائق في المقاصد الشرعية للدكتور الأخضر الأخضري.
(3) زاد المسير (5/ 63) وتفسير البغوي (5/ 108) .