والعقل قد أنيطت به الأحكام الشرعيّة من حيث إيجابها وصحّة أدائها، فكل أمر شرعيّ مرتبط في ثبوته بالعقل، سواء كان في باب العقيدة أو الأحكام أو المعاملات، فلا يؤمر بالنّظر في الآيات الكونيّة والنّقليّة إلا العاقل، ولا يكَلّف بالفعل إيجادا أو نفيا إلا العاقل، ولا تصحّ العقود وما يترتّب عليها إلا من عاقل، وبقدر نقصان العقل وتراجع وظيفته تتراجع تراتيب الأحكام من حيث إلزامها وهذا ما يعبّر عنه علماء الأصول (بنقص الأهليّة) أو (عوارض الأهليّة) كصغر السّن, والجنون والعته والسّفه والغفلة والنّوم والإغماء والسّكر والموت، والحيض والنّفساء.
وممّا يهدّد العقل ويذهب بخاصيّته ويعدمها السّكرُ وما تشكّل من صُوَرِه الجديدة في الأزمنة الرّاهنة، من أنواع المخدّرات وأجناس المهلوسات وصنوف المزيلات للعقل والاِدراك ممّا راجت وماجت في بلاد الغرب، حتى انتقلت إلى ديار الإسلام وابتلي بها الصّغير والكبير والذّكر والأنثى، واستحكمت في كثير منهم فصار المرض إدمانا، ولم يسلم منها إلّا من سلّمه الله تعالى، هذا الوباء الذي زحف على المسلمين بوسائل شتّى جعل في المجتمع فجوات عميقة، راح ضحيّتها ملايين النّاس، فكان سببا في ضياع كلّ مقوّمات الإنسان ناهيك عن مقوّمات الدّين والخلق.
فأصبح لزاما على كل معنيّ بالأمر وموجِّه وناصح ومسؤول فردا كان أو دولة أن يعطي الرأي السّديد والحلّ الرّشيد لمواجهة هذا التيّار الدّامي ولصدّ هذا العدوان الجديد الذي يحصد كلّ يوم آلاف الرّؤوس، ولا يجد هؤلاء من يعينهم على الخروج من ورطتهم التي أغرقوا فيها، حتّى من أقرب النّاس إليهم ممّن يرونهم على تلك الحالة ولا حول لهم ولا قوّة، فتنبذهم الأسرة التي كانوا يبحثون فيها عن ملجأ، لأنّهم يرونهم وصمة عارّ وحالة يأس وبؤس، فلا يجدون إلا القسوة عليهم من كلّ جانب فيزيدون في غيّهم ويغرقون في مرضهم فلا ينجو منها إلاّ من أراد الله به خيرا؛ بيد أنّ الواجب علينا أن نأخذ بهذا المدمن إلى الطّريق التي لا بدّ عليه أن يسلكها بقصد الشّفاء وكسر قيود المرض، ولا نتركه يستسلم للموت عملا بقوله تعالى {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة: 32) .
أ_ أسباب اختيار الموضوع وأهمّيته
كلّ هذه الأسباب جعلتني أتحفّز للكتابة في هذا الموضوع الذي نعرف عنه الكثير بحكم المعيشة والثّقافة والبيئة التي نشأ فيها بعضنا، ولا يختلف أحد أنّ الأهميّة بارزة فيه بروزا واضحا وهي مقرّرة على النّحو التّالي:
1 -كثرة من ابتلي به من أبناء الأمّة الإسلاميّة، يلزمنا أن نحتضن المبتلين بأحضان رحيمة وأساليب سليمة، تعينهم على العودة إلى حياتهم الطبيعيّة التي كانوا عليها قبل الإدمان.
2_ لا بدّ من تبصير الأسرة التي سينطلق هذا المشروع من كنفها، تلك النّواة الأولى للمجتمع التي منها ستكون أوّل خطوة لاِنقاذ المدمنين.
3_ نبوع الشّعور بالمسؤوليّة امتثالا لأمر الله تعالى {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء:29 (وقوله {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (المائدة: 2 (وامتثالا لقول الرّسول الكريم عليه الصّلاة والسّلام:""