2_الفراغ وضياع الوقت.
فإنّ أعزّ ما يملك الإنسان في حياته وقتَه الذي بين يديه، يسعى فيه في مطالب دنياه وأخراه، فكلّما انسلخ يوم من أيّام هذه الحياة إلا وقد انسلخ يوم من حياة النّاس أجمعين، والفَطن الكيّس مَن أعدَّ ليله لنهاره، وأعدّ نهاره لدنياه، وأعد دنياه لأخراه، فسعى في مرضاة الله تعالى وعاش في كنف الدين بمتابعة هدي خير الأنبياء والمرسلين عليه أفضل الصّلاة وأزكى التّسليم، ولا أضرّ على المرء من فوات مطالبه وثبات معايبه، ونسيان مقاصد عواقبه، لأنّ الغفلة إن استحكمت قلب الغافل، صيّرته في شهوة الخمول ولذة الفَتَر، وضياع العزيمة ونقص النظر، فتفوته المصالح، وتعتريه القبائح ولا يفيق من سكر غفلته إلاّ والموت حلّ، من غير استئذان ولا ميعاد، والله لهي الحسرة يومئذ ما بعدها حسرة {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} (الأنبياء: 1 (وقال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (يونس: 7 - 8. (
ولقد ضيّع النّاس حياتهم في اللعب واللهو، والطّرب والطّنب، والدّف والمزمار، وكأنّما حياتهم هذه لن تفنى ولن تبيد ولا يُعطاها إلا الفَرِح السّعيد، فضاعت أوقاتهم وفنيت قوّتهم في ما لا فائدة فيه ولا منفع، ولا يزال الشّاب الفتيّ ينشأ على هذا الزّيف الدنيويّ والقبح العقليّ حتّى يجتاحه الكبر وهو على هذا المنوال والموّال، فلا تبصر من أولي الشّيب إلا العيب {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} (سبأ: 13) ؛ قال ابن القيم رحمه الله:"وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادّة حياته الأبديّة في النعيم المقيم، ومادّة معيشته الضّنك في العذاب الأليم وهو يمرّ مرّ السحاب .. فما كان من وقت لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته، وإن عاش فيه عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة واللهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النّوم والبطالة، فموت هذا خير من حياته." [1]
ويظنّ الكثير أنهم بالممارسات الخاطئة يقتلون الوقت، وهم لا يشعرون أنّ الوقت في الحقيقة هو من يقتلهم، لذلك قيل:"الوقت هو الحياة" [2] ، وتجد من درر الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى قولته الشّهيرة:"يا ابن آدم إنما أنت أيام، كلّما ذهب يوم ذهب بعضُك." [3]
وأسعد النّاس من استطاع إعمار وقته بما يعود عليه نفعه في دينه أو دنياه، وأغبنهم من ضيّع وقته فيما لا نفع فيه، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال عليه الصّلاة والسّلام:"نعمتان مغبون فيهما كثير من النّاس الصّحّة والفراغ." [4] .
(1) الجواب الكافي لابن القيم (212) .
(2) الوقت أغلى من كنوز الأرض (22) .
(3) حلية الأولياء (2/ 148) وسير أعلام النبلاء (4/ 585) .
(4) أخرجه البخاري (6412) .