الخطوات الأولى لشخصيتها خاصة مع زمن البلوغ، فتفعل أمورا حسيّة ومعنويّة تحاول من خلالها جلب الأنظار إليها، ويصعب في كثير من الأحيان ضبط أحاسيسها وانفعالاتها، خاصة وهي تشاهد العالم الخارجيّ عن طريق الانترنت أو التلفاز أو عن طريق زميلاتها في الدراسة.
فإيجاد الفجوة إلى قلبها وملؤها بالودّ والحنان والعِطف الزائد الذي يُشعرها بالأمان ويجعلها تبتعد عن كلّ ما يشين إلى نفسها وأسرتها هو الحلّ الأمثل حتّى تمرّ هذه المرحلة.
ثانيا: دور الأب: ولا يختلف أحد في أنّ دور الأب هو المنطلق الصحيح في حياة الأسرة، فهو كقائد السفينة يقودها إلى برّ الأمان، فإن اختلّ الطريق أو دفعها إلى أمواج وأعاصير أو أساء اختيار طقم السفينة غَرِق وأَغرق كل من معه، وأوّل خطوة لا بدّ على الأب أن يعتبرها في بناء الأسرة هي حسن اختيار الرفيقة التي ستقسم معه بقيّة حياته، وأن تكون على وفق معايير شرعيّة، من كرم أصل وطيب منبتٍ.
وأيّ إنسان إذا أراد أن يبذر بذرا اختار له الأرض الصالحة بغية أن يخرج نباته بإذن ربّه، والأمر بالنسبة للزوجة أجل خَطْبا وأعظم هولًا، لأنّه إنتاج بشري وذاك إنتاج زراعي، وفرق شاسع بين إنتاج وإنتاج، فلا عجب إن دعا الإسلام إلى التدقيق في اختيار الزوجة والنظر إليها والوقوف على أخلاقها ودينها حتى يكمل الانسجام، وتزداد المحبّة، وصولا إلى عشّ الزوجيّة الهادئ الذي يستقبل الأبناء في عطف وحنان فيترعرعون في ظلّه؛ ليقدمهم إلى المجتمع رجالا أصلاء ونساء عريقات.
وما تكبر عليه المرأة من خلق وتربية هو الذي سيرثه الأبناء، وكلّ ما عدا ذلك فهو إلى الزوال أقرب، وهذه الخطوة يعتبرها أهل العلم من حقّ الأبناء على آبائهم قبل ولادتهم، ويمكننا تلخيص دور الأب في النقاط الآتية:
1_ أن يكون الأب قدوة في دينه وخلقه، لأنّه قِبلة أبنائه ومشعل قدوتهم، فهم يرون فيه القائد الأوّل في الأسرة، فلزمه أن يكون مستقيما في سلوكه وأخلاقه ومعاملته مع الله وخلقه، وهذا أعظم شيء يؤثّر في الأبناء، كما أنّ الأب إن كان بعيدا عن المنهج الشرعي والسلوكي، غير مهتمٍّ بمروءته فاعلا للرذائل، فإنّ الأبناء لا محالة سينشؤون على هذا الانحراف، لأنّه كما قيل (لا يستقيم الظلّ والعود أعوج) ولقد صدق ابن التعاويذي [1] في قوله:
إذا كان رَبُّ البيت بالدُّفِّ ضاربا فشِيمَة أهل البيت كلِّهم الرقص
2_ أن يتابع الأب مراقبة أبنائه بشكل منتظم، وأن يحرص على تلْقِينهم المبادئة الحسنة، وإظهار جانب الاحترام بين أفراد الأسرة، ولا يكتفي ككثير من الآباء بتوفير المستلزمات المنزليّة فقط من مأكل ومشرب؛ دون أن تكون هناك علاقة بينه وبين أبنائه، بل يتعدّى الأمر إلى جعلهم يعرفون قيمته القياديّة والمسؤوليّة التي على عاتقه في صيانتهم وحمايتهم والعطف عليهم.
(1) ابن التعاويذي رئيس الشعراء، أبو الفتح محمد بن عبيد الله التعاويذي، البغدادي، الأديب سبط المبارك بن المبارك التعاويذي، ديوانه (5) مجلدات، أضر بأخرة، ورثى عينيه وأيام شبابه، ونظمه فائق؛ عاش خمسا وستين سنة، ومات في شوال سنة (584 ه) : انظر سير أعلام النبلاء (21/ 176) .