فالابن قد لا يسمع الكلام بقدر ما يراقب أفعال أمّه فيقلّدها ويتّبعها فيه، وهذا أمر محسوس مشاهد، لأنّ التأثير بالفعل أحيانا قد يكون أشدّ من التأثير بالقول، فإن كانت الأمّ تحبّ الرقص والغناء فإنّها ستلقِّن أبناءها الشيء الذي تحسنه، وهكذا إن كانت الأمّ تحبّ القرآن الكريم وتلهج به، وتكثر من الصلاة والذكر فإنّ الطفل لا محالة يتأثّر بهذا.
بل إنّ(البحوث والدراسات المتخصّصة في علم الأجنّة أثبتت أنّ الجنين يتأثّر بما يحيط بأمّه، ويتأثّر بحالتها النفسية، حتىّ أنّه"يتذوّق الطعام التي تأكله وهي تحمله، ويُقبل عليه أكثر مِمَّا يُقبل على غيره من الأطعمة [1] ، كما أثبتت الأبحاث أنّ هناك ما يسمَّى"بذكاء الجنين.
أمّا أحدث هذه الأبحاث فقد أثبتت أنّ العوامل الوراثيّة ليست فقط هي المسؤولة عن تحديد الطباع المزاجية للطفل، ولكن الأهمّ هي البيئة التي توفرّها الأمّ لجنينها وهو ما زال في رحمها، فبالإضافة إلى الغذاء المتوازن الذي يحتوي على كلّ العناصر الغذائيّة والفيتامينات التي تحتاجها الأمّ وجنينها، وحرص الأمّ على مزاولة المشي وتمرينات ما قبل الولادة، فإنّ الحامل تحتاج أيضًا إلى العناية بحالتها النفسيّة، لأنّ التعرّض للكثير من الضغوط يؤدّي إلى إفراز هرمونات تمرّ إلى الجنين من خلال المشيمة، فإذا تعرّض الجنين إلى ضغوط نفسيّة مستمرّة، فإنّه سيكون في الأغلب طفلًا عصبيًا صعب التهدئة، ولا ينام بسهولة ... بل وربمّا يعاني من نشاط مُفرِط ومن نوبات المغص" [2] "
فالحالة النفسيّة للأمّ تنعكس - بدون أدنى شكّ- على الجنين، لأنّه جزء منها ... وما تشعر به الأمّ من راحة وسكينة بسبب الاستماع إلى القرآن أو تلاوته ينتقل إلى الجنين، ممّا يجعله أقلّ حركة في رحمها، وأكثر هدوءً، بل ويتأثّر بالقرآن الكريم، وليس في هذه المرحلة فقط، وإنّما في حياته المستقبليّة أيضًا.
ولقد أوضحت الدراسات المختلفة أنّ الجنين يستمع إلى ما يدور حول الأمّ [3] ،ويؤكِّد هذا الدكتور"محمد راتب النابلسي"-الحاصل على الدكتوراه في تربية الأولاد في الإسلام- في قوله:"إنّ الأمّ الحامل التي تقرأ القرآن تلد طفلًا متعلّقا ًبالقرآن."
كما أثبتت التجارب الشخصيّة للأمّهات أنّ الأمّ الحامل التي تستمع كثيرًا إلى آيات القرآن الكريم، أو تتلوه بصوت مسموع يكون طفلها أكثر إقبالًا على سماع القرآن وتلاوته وتعلُّمه فيما بعد، بل إنّه يميِّزه من بين الأصوات، وينجذب نحوه كلّما سمعه وهو لا يزال رضيعًا.
لذا فإنّ الإكثار من تلاوة القرآن والاستماع إليه في فترة الحمل يزيد من ارتباط الطفل عاطفيًّا ووجدانيًّا بالقرآن، ما يزيد من فرصة الإقبال على تعلُّمه وحِفظه فيما بعد.) [4] ، وكل أمٍّ تختار لابنها الطريق الذي تريد أن يسلكه في مسقبله ابتداءً من استقراره في رحمها.
(1) فن تربية الأولاد في الإسلام (98) .
(2) مقال بعنوان: أعاني من ضغط نفسي هل سيؤثر ذلك على جنيني؟ اعداد. نبيلة حمدي/ مجلة الأم والطفل، مايو-يونيو (2004 م) (15 - 16) .
(3) انظر كتاب بعنوان: ذكاء الجنين تأليف: محمد أحمد النابلسي.
(4) مقال بعنوان: كيف نُعين أطفالنا على حب القرآن الكريم، إعداد: د. أماني زكريا الرمادي.